بهجت العبيدي يكتب…في صحبة جون ميلتون!

  • بتاريخ :
  • عدد القراءات : 51 views

 

في كل أمة من الأمم شخصيات تمثل علامات فارقة في تاريخها الثقافي والأدبي، تلك الشخصيات الفريدة، هي مواهب فذة، لا تتحصل عليها الأمم كل يوم، ولا في فترات زمنية متقاربة، بل هي حالات نادرة، ربما تتكرر كل عدة عقود، أو كل عدة قرون، أو ربما لا تتكرر مطلقا، وربما حرمت أمم من تلك النوابغ فلا تحظى بها عبر تاريخها الممتد، تلك الحالات الخاصة من المواهب الفريدة، تصبح ميراثا إنسانيا، حيث تتخطى هذه المواهب الأمة التي ظهرت فيها، واللغة التي برعت بها، والبيئة التي نشأت بين أحضانها لتصبح ملكا للإنسانية، حيث يظل إنتاجها نبراسا لكل البشر، الذين يتدارسونه، كما يتدارسون حياة تلك الموهبة الفذة من كل جوانبها، وبكل تفاصيلها، حيث في كل مرة يظهر للدارس أو الباحث جديدا، ينتج عن اختلاف الرؤى التي تتنوع بتنوع الدارسين والباحثين. 

من تلك المواهب الفذة التي منحتها العناية الإلهية للإنسانية الشاعر الإنجليزي جون ميلتون الذي يكوِّن بجانب جيفري تشوسر وويليام شكسبير، مثلث أبرز شعراء الأدب الإنجليزي. 

ولد جون ميلتون في مدينة لندن في 9 ديسمبر 1608، و كان مهتماً بكتابة المقالات والقصائد، ولقد اشتهر شهرة – طافت به عنان السماء – بإحدى أشهر القصائد في الأدب الإنجليزي والعالمي وهي قصيدة “الفردوس المفقود”، التي تعتبر من أعظم الأعمال الشعرية في اللغة الإنجليزية، أما قصيدته “الفردوس المستعاد” فلم تحظ بنفس القدر من الاهتمام التي حظيت به الأولى وهو ما كان يغضب كثيرا الشاعر الكبير الذي لم يكن يرى أفضلية للأولى عن الثانية. 

يمكن لنقاد الأدب والدارسين الوقوف طويلا عند إنتاج ذلك الأديب الفذ، وهذا ما تحقق عبر السنوات والقرون السابقة وهو ما سيتحقق عبر القادم من السنوات والقرون اللاحقة، لعظمة هذا الإنتاج ولعبقرية الموهبة التي صدر عنها. 

ولكني أود هنا أن أتوقف عند جون ميلتون السياسي، لقد كانت الفترة التي عاش فيها الأديب الفذ مضطربة اضطرابا كبيرا، حيث شهدت صراعا بين الجمهوريين والملكيين في إنجلترا. 

وكان ملتون من أنصار الجمهورية في الحرب الأهلية التي قامت عام 1642 بين الملكيين والجمهوريين، وناصر كرومول القائد الحربي مناصرة هائلة، حيث سخر قلمه للذود عن أفكاره، وكان لسان حال تلك الثورة التي أطاحت بشارلز الأول، فانشغل بالكتابة التحريضية ضد الملكية والبابوية.

وشغل منصباً في «مجلس الدولة» الذي يمكن أن يقارن بمنصب وزير خارجية وثقافة وإعلام معاً، كما كان المستشار والمحرض السياسي الأول. 

لقد كان جون ميلتون مؤمن كل الإيمان بالجنرال كرومول، فوقف بالمرصاد للثورة المضادة، وسن قلمه البتار ليرد على كل من يتناول ثورة الجمهوريين بسوء، داخل إنجلترا أو خارجها، ضاربا المثل في إيمان المثقف بمبادئ لا يحيد عنها، ومقدما النموذج في دور الموهبة – اتفقنا أو اختلفنا معه – في خدمة تلك المبادئ مهما كان الثمن، ومهما كانت المخاطر. 

لم تستمر دولة الجمهوريين في إنجلترا طويلا فبعد موت القائد القوي كرومول، وعدم صلاح ابنه لتولي الحكم، أدت الأزمة السياسية التي تلت وفاة كرومول في عام 1658 إلى استعادة النظام الملكي ودعوة تشارلز الثاني الذي كان قد فر إلى القارة الأوروبية – بعد أن أُعْدمَ والده شارلز الأول من قبل الجمهوريين – للعودة إلى بريطانيا من جديد، ما كان يعني بالضرورة الانتقام من الذين أعدموا الملك الوالد ومناصريهم، ومنهم شاعرنا الكبير جون ميلتون – الذي كان قد فقد بصره – فَزْجّ به في السجن عام 1660، والذي استطاع زملاؤه أن يحصلوا له لاحقاً على عفو، فترك العمل السياسي ليتفرغ كلياً للكتابة في عالمه المظلم، بعدما أصابه العمة، ولم يغادر منزله حتى وفاته.

 

(Visited 1 times, 1 visits today)

اترك تعليقا