مصر … والمؤلفة قلوبهم

  • بتاريخ :
  • عدد القراءات : 50 views
صغيرا تعجبت كثيرا ونحن ندرس في المراحل التعليمية الأولى ذلك السهم المستحق في الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وكان عقلي يأخذني في رحلات اشتطاط بعيدة شواطئها، وكان حديث خفي دائما يدور بيني وبين ذاتي، لا أقدر على البوح به، حيث البيئة التي نشأت فيها محدودة الثقافة، ومتدينة التدين الفطري البسيط بطبيعة الحال كما هو الشأن في كل البيئات الشعبية المصرية، وكان السؤال في أمر أو شأن من شئون الدين، أو في الحكمة من حكم من الأحكام، يضعك في خانة هؤلاء – في أفضل الأحوال – المتمردين الذين يسألون فيما أنزله رب العباد، ويجادلون في فروض الله سبحانه وتعالى. عاش معي هذا التعجب كثيرا، كما صاحبتني أسئلة أخرى كونية، أجاب عن بعضها رجال الدين، وعن بعضها أحداث الواقع المعاش، وذهب بالاستفهام في أغلبها الفلاسفة والمفكرون.
أذكر وأنا أطالع الكتاب الموسوعي قصة الحضارة ذلك المؤلف التاريخي للفيلسوف والمؤرخ الأمريكي ويل ديورانت وزوجته أريل ديورانت، والذي يتكون من أحد عشر جزءًا يتحدث فيه عن قصة جميع الحضارات البشرية منذ بدايتها وحتى القرن التاسع عشر، استهواني كثيرا الجزء الأول من المجلد الثامن والذي عنونه بعصر لويس الرابع عشر، حيث إني عايشت في هذا المجلد مجتمعنا المصري معايشة دقيقة، فرأيت بعينيِّ عقلي حياتنا التي عاشتها أوروبا في فترة ممتدة بين القرنين السابع عشر والثامن عشر، فالأفكار هي هي، والبيئة هي هي، والاقتصاد وجشع التجار كما هو الحال عندنا في أقصى معدلاته.
بسبب الملكية المطلقة، كان يعتقد لويس الرابع عشر أنه مصدر السلطات، وهو صاحب الكلمة الشهيرة الدولة أنا، وأنا الدولة، ولقد طبع لويس الرابع عشر مصير فرنسا بطابعه إلى حد لا يمكن تصور تاريخ فرنسا من دونه، وقد ترافق في أثناء حكمه المجد والبؤس معًا، مما جعل المؤرخين ينقسمون تجاهه بين مادح وقادح، ولقد ارتكزت قاعدة العمل السياسي لديه على الطاعة في الداخل والسمعة الحسنة في الخارج، تلك السمعة الحسنة التي اعتمد فيها – في تصورنا – على مبدأ المؤلفة قلوبهم الجدد، الذي أدرك لويس الرابع عشر أنهم الكتاب والمفكرون، فهم الذين يستطيعون تجميل وتمجيد الملك – أو أي شخص – من خلال كتاباتهم وتأثيرهم في الرأي العام.
توقفت عند تلك المرتَّبات والمكافآت الشهرية التي كان يخصصها لويس الرابع عشر للكتاب والمثقفين والفنانين، ليس في فرنسا، بل في كل دول القارة الأوروبية، وكان سبب توقفي هو أني في إحدى مناقشاتي التي لا تنتهي، تساءلت: هل إيقاف سهم المؤلفة قلوبهم في الزكاة والذي كان قد أمر به سيدنا عمر بن الخطاب، حينما رأى أن الإسلام قد قَوِيَ ولم يعد في حاجة لهؤلاء المؤلفة قلوبهم يتفق والعصر الحاضر؟ وهل نحن الآن – أعني الدول العربية – من القوة بمكان التي لسنا في حاجة إلى كل شيء يمكن أن يحسن صورتنا، وهل الدول الكبرى لا تتبع هذا المبدأ؟! لقد جاءتني منذ أكثر من سبعة عشر عاما دعوة وحيدة – لم تتكرر – من السفارة الأمريكية بفيينا لحضور مأدبة إفطار في رمضان، وراقبت كل ما دار على هامش هذا الإفطار، الذي اعتبرته جس نبض لمن يمكن أن يكون متعاونا “طابور خامس”، وشاهدت من يقدمون أنفسهم من دول عربية، وكان كشف الدعوات يَنْتَقي – لا شك في ذلك – من يرون أن له دورا يمكن أن يفيدهم مستقبلا، في منطقتنا العربية المستهدفة.
ذلك أيضا – في تصورنا – كان استخداما لمبدأ المؤلفة قلوبهم، الذين هم في هذا العصر الكتاب والمثقفون وصانعو الرأي العام، فلم يعودوا الحكام – كما كان الحال سابقا حينما كان الناس على دين ملوكهم، حيث أصبح الآن الحكام هم الذين على دين شعوبهم.
لقد أدركت بعض الدول العربية وخاصة النفطية منها هذا الأمر فَأغْدقت المال على هذا النوع الجديد من المؤلفة قلوبهم، واستعملت أهم الكتَّاب العرب والأجانب، وحجزت مساحات واسعة في كبريات الصحف العربية والعالمية، واشترت أسهما كثيرة في وسائل الإعلام المختلفة، كما دفعت أموالا هائلة كرشوة على هيئة إعلانات في الصحف والوسائل الإعلامية المختلفة، وذلك لتحسين صورتها في الخارج مرة، والوصول لأهداف خططتها ضد دول منها مصر مرة أخرى.
إن ما يمر بمصر من أزمات كان سببه الرئيسي – في قناعاتنا – هم هؤلاء المؤلفة قلوبهم – المصريون وغير المصريين – فالحملة الإعلامية الشرسة التي استهدفت وما زالت تستهدف مصر، قد تم فيها شراء مؤسسات إعلامية كبيرة، كما تم تأليف قلوب كبار كتاب – مصريين وعرب وأجانب – وكان من آثار هذه الحملات الإعلامية الشرسة خسائر فادحة للدولة المصرية، وللشعب المصري، ومن نتائجها هذا التشويش في العقل لدى الكثير من أبناء الشعب المصري، خاصة هؤلاء الذين يعطون آذانهم لمن يطلق عليهم كتاب أو أدباءً أو مثقفون أو إعلاميون، باعوا الكلمة، فخانوا الوطن، وتخلوا عن المبادئ، فخانوا أنفسهم بالقليل، مهما كان حجم المبلغ الذي تقاضوه.

 
(Visited 1 times, 1 visits today)

اترك تعليقا