بقلم: دكتورة / سمـــاح بــاقـــي
ماذا يعني أن يزور الرئيس الصيني شي جين بينج مصر في هذه اللحظة تحديدًا؟
و السؤال هنا يتجاوز مراسم الاستقبال،و الاتفاقيات التي وُقعت، أو حتى كونها أول زيارة للرئيس الصيني إلى مصر منذ عشر سنوات.
السؤال يتجاوز كل ذلك ،على أهميته، لما هو أهم ماذا تقول هذه الزيارة عن العالم الذي يتشكل من حولنا؟
فحين تأتي الزيارة بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية والتي تعود لعام 1956، وفي ظل تحولات متسارعة في موازين القوة والتجارة والأمن في المنطقة، فإن القاهرة لا تستقبل رئيس دولة فقط؛ بل تستقبل طرفًا دوليًا يعيد ترتيب حضوره في منطقة شديدة الحساسية.
وقد أكدت مصر والصين في البيان المشترك الصادر في 2 سبتمبر مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما.
القاهرة… جغرافيا القوة والنفوذ
إن مصر لا يمكن اعتبارها مجرد سوق بالنسبة للصين، فمصر تقع عند نقطة تلتقي فيها طرق التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتملك قناة السويس والمنطقة الاقتصادية المرتبطة بها، فضلًا عن موقعها السياسي في ملفات المنطقة.
وهنا تتحول الجغرافيا من مجرد ميزة نسبية على الخريطة إلى أصل اقتصادي واستراتيجي ، ويأخذننا ذلك من سؤال ماذا ستبيع الصين لمصر؟ إلى سؤال أكثر أهمية وهو ماذا يمكن أن تنتج الصين في مصر؟ وماذا يمكن أن تصدّر مصر من خلال الصين؟وربما من هنا تبدأ القصة الحقيقية.
من التجارة إلى سلاسل الإنتاج ….الأرقام تكشف جانبًا من الصورة.
أعلنت الحكومة المصرية أن حجم التجارة بين مصر والصين وصل إلى نحو 20 مليار دولار، وأن استثمارات الشركات الصينية التي أُعلنت خلال العام الماضي بلغت نحو 12 مليار دولار، كما تجاوزت استثمارات الشركات العاملة في منطقة تيدا الصينية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس 4 مليارات دولار، مع أكثر من 200 شركة توفر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل للمصريين.
الأمل في إعادة بناء الاقتصاد
إن الأرقام على هميتها لا تشكل القضية ككل فالقصة تبدأ عندما ننتقل من كم استثمرت الصين في مصر إلى ماذا أنتج هذا الاستثمار داخل مصر؟
نأمل في خلق صناعة محلية، ونقل للتكنولوجيا ، وفتح أسواقاً جديدة للمنتج المصري ، وزيادة في الصادرات وخلق للوظائف.
حينها فقط يتحول الاستثمار الأجنبي من مجرد تدفق لرأس المال إلى أداة لإعادة بناء الاقتصاد.
وهنا يبدأ الحديث عن النفوذ
فالسياسة الدولية لم تعد تُقاس فقط بعدد القواعد العسكرية أو حجم الجيوش بل النفوذ اليوم يمكن أن يبدأ من مصنع، ويمر عبر ميناء، ويصل إلى شبكة اتصالات، ثم يتحول إلى تكنولوجيا وسلاسل توريد وتمويل وأسواق، وهذا ما يجعل الحضور الصيني في مصر جديرًا بالقراءة من زاوية أوسع.
فالصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها دولة عربية فقط، وإنما باعتبارها نقطة اتصال بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومصر، في المقابل، لا ينبغي أن تنظر إلى الصين باعتبارها مجرد مصدر للتمويل أو السلع.
و المعادلة الأكثر ذكاءً هي أن تتحول العلاقة إلى شراكة إنتاجية وتكنولوجية وتصديرية، فالصين لا تأتي إلى مصر وحدها… ومصر لا تذهب إلى الصين وحدها
هل الصين بديلاً عن الولايات المتحدة واوروبا؟
إنتعزيز العلاقات المصرية الصينية لا يعني بالضرورة أن تختار مصر الصين بدلًا من الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرهما.
والأدق أن مصر تتحرك في اتجاه تنويع الشراكات الدولية بما يوسع هامش الحركة ويحافظ على مصالحها الوطنية، وهذا ما يجعل مفهوم إعادة رسم خريطة النفوذأكثر تشابكاً من فكرة بسيطة تقول إن قوة دولية تحل محل أخرى.
المشهد الحقيقي هو أن العالم نفسه يتحول إلى شبكة أكثر تعددًا في مراكز القوة ، والدولة التي تستطيع التعامل مع أكثر من مركز قوة، دون أن تتحول إلى تابع لأي منها، تمتلك مساحة أكبر للمناورة.
ماذا سيصل إلى المواطن؟
هنا يجب أن نخرج من قاعات القمم إلى الشارع، المواطن لا يعيش على بيانات الشراكة الاستراتيجية، ولا يشعر بأهمية الاتفاقية لمجرد توقيعها، وكل ما يهمه هو
هل ستخلق هذه الشراكة وظيفة؟هل ستخفض تكلفة سلعة؟هل ستنتج مصنعًا جديدًا؟
هل ستزيد الصادرات؟هل ستدخل تكنولوجيا جديدة إلى السوق؟هل سترفع دخول العاملين؟
وهذه هي اللحظة التي تتحول فيها السياسة الخارجية إلى اقتصاد اجتماعي.
فنجاح العلاقات الدولية في النهاية لا يقاس فقط بحجم الاتفاقيات، وإنما بقدرتها على إنتاج قيمة حقيقية داخل الاقتصاد الوطني.
القانون يكمل المشهد
قد يبدو القانون بعيدًا عن زيارة رئيس دولة واتفاقيات الاستثمار، لكنه في الحقيقة يقف في قلبها، لأن أي استثمار يحتاج إلى قواعد واضحة، وأي صناعة تحتاج إلى تشريعات مستقرة، وأي مستثمر يحتاج إلى معرفة حقوقه والتزاماته، وأي شراكة تحتاج إلى عقود وضمانات وآليات لتسوية المنازعات وحماية الملكية الفكرية وتنظيم نقل التكنولوجيا والمنافسة والعمل والبيانات.
ومن هنا يصبح السؤال القانوني:
هل البيئة التشريعية المصرية قادرة على تحويل الموقع الجغرافي والاستثمارات الأجنبية إلى قيمة اقتصادية مستدامة؟
فالقانون الجيد لا يكتفي بجذب المستثمر، بل يجب أن يضمن أن يكون الاستثمار مفيدًا للاقتصاد والمجتمع والدولة في الوقت نفسه، وهذه نقطة جوهرية في تقييم أي شراكة اقتصادية.
العملة… تفصيل اقتصادي يحمل دلالة أكبر
ومن الملفات التي تستحق الانتباه أيضًا اتجاه مصر والصين إلى زيادة استخدام العملات الوطنية في التجارة والاستثمار، كما جرى في يونيو 2026 تجديد اتفاق مبادلة العملات بين البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني بقيمة 30 مليار يوان لمدة ثلاث سنوات، وفق ما أورده موقع الهيئة العامة للاستعلامات، قد يبدو الأمر مصرفيًا بحتًا، لكنه في الحقيقة جزء من تحول أوسع.
فكلما زادت قدرة الدول على تسوية جزء من تجارتها بعملاتها الوطنية، قلت حاجتها إلى المرور بعملة وسيطة في بعض المعاملات.
وهذا لا يعني اختفاء الدولار من التجارة الدولية، ولا يعني انقلابًا في النظام النقدي العالمي.
لكنه يعني محاولة بناء مساحة أكبر من الاستقلال والمرونة في العلاقات الاقتصادية.
دائماً ما يحتاج الاقتصاد إلى قوة
اللافت أن الزيارة لم تكن اقتصادية فقط، فالصين ومصر أعلنتا أيضًا عن توسيع التعاون في مجالات أمنية واستراتيجية، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تقييم واسعة للتحالفات ومصادر القوة.
وهنا يصبح من الصعب قراءة الاقتصاد بمعزل عن السياسة، فالمصنع يحتاج إلى استقرار، والميناء يحتاج إلى أمن، والاستثمار يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، والتجارة تحتاج إلى طرق آمنة.
لذلك فإن الاقتصاد والسياسة والأمن لم تعد ملفات منفصلة كما تبدو على الورق، إنها أجزاء من منظومة واحدة لصناعة النفوذ.
فهل نعيش بالفعل إعادة رسم لخريطة النفوذ؟ ربما، لكن الأدق ألا نتعامل مع الأمر باعتباره نتيجة اكتملت، ما نراه اليوم هو عملية إعادة تموضع، الصين توسع حضورها، والولايات المتحدة تعيد تقييم وجودها وأولوياتها، وأوروبا تبحث عن أدوات جديدة لحماية مصالحها، والقوى الإقليمية تعيد حساباتها.
أما مصر فتحاول أن تتحرك داخل هذا المشهد دون أن تغلق بابًا أو ترهن قرارها باتجاه واحد، وهنا تكمن أهمية الموقع المصري.
فالقوة ليست فقط أن تكون لديك علاقات مع القوى الكبرى، القوة الحقيقية أن تستطيع تحويل تعدد هذه العلاقات إلى مكاسب وطنية.
فهل يستطيع القانون أن يواكب الاقتصاد، ويستطيع الاقتصاد أن يترجم السياسة إلى حياة أفضل للناس؟
إذا حدث ذلك، فلن تكون زيارة الرئيس الصيني مجرد زيارة دولة، ستكون واحدة من علامات مرحلة جديدة في العلاقة بين السياسة والاقتصاد والقانون والمجتمع.
وهنا تحديدًا تبدأ قراءة المشهد… لا من أمام الكاميرات، وإنما من خلفها.
وللحديث ..بقية


























