بقلم القس/ بولا فؤاد رياض
كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة.
حققت مصر في حرب أكتوبر عام 1973 نصرًا عظيمًا لفت أنظار العالم كله، ويكمن سر هذا النصر في وحدة الشعب المصري وصلابة جبهته الداخلية؛ فقد وقف الشعب المصري، بكل فئاته وطوائفه، صفًّا واحدًا خلف جيشه. فكلنا جنود في خدمة وطننا العزيز، مصر. فالحرب ليست مسؤولية الجيش وحده، بل هي مسؤولية الأمة جميعها، إذ يشارك الجميع في حمل أعباء الحرب والصمود، كلٌّ بحسب دوره.
وكان من بين شهداء حرب أكتوبر كثير من الأقباط، ويعوزنا الوقت لنسطر بطولاتهم جميعًا، لذا نكتفي بعرض بعض الأمثلة التي تجسد ما قدموه من تضحيات في سبيل الوطن.
اللواء شفيق متري سدراك.. بطل العبور وأحد أبرز شهداء أكتوبر
يُعد اللواء شفيق متري سدراك من أبرز أبطال حرب أكتوبر، وأول ضابط شهيد من بين الضباط الذين استشهدوا في الحرب، وفقًا لما تذكره المصادر التاريخية عنه. شارك في حروب مصر دفاعًا عن الأرض والكرامة، وخاض حرب عام 1956، وحرب عام 1967، وحرب الاستنزاف، حتى جاء موعد العبور العظيم في السادس من أكتوبر عام 1973، وكان أول قائد لواء مشاة يعبر خط بارليف.
قاد أحد ألوية المشاة التابعة للفرقة السادسة عشرة مشاة في القطاع الأوسط بسيناء، وتقدم برجاله إلى عمق الأراضي المحررة شرق القناة، وأظهر شجاعة كبيرة في مواجهة الهجمات المضادة المتكررة للعدو الإسرائيلي.
وفي التاسع من أكتوبر عام 1973، وبينما كان يتقدم بقواته، أصابت سيارته دانة مدفع إسرائيلي، فاستشهد على أرض سيناء، تاركًا وراءه سيرة عسكرية مشرفة، ونموذجًا للقائد الذي يتقدم رجاله في ميدان المعركة.
وقد كرّم الرئيس الراحل محمد أنور السادات اسمه ضمن أبطال حرب أكتوبر، ومُنح وسام نجمة سيناء من الطبقة الأولى، وهو من أرفع الأوسمة العسكرية المصرية، تقديرًا لشجاعته وتضحياته.
لقد كان شفيق متري سدراك واحدًا من أبطال العبور الذين قدموا حياتهم فداءً للوطن، ليظل اسمه شاهدًا على أن التضحية لا تعرف اختلاف الدين، وأن حب مصر يجمع أبناءها جميعًا.
اللواء أركان حرب موريس عزيز غالي.. من أبطال الجيش الثالث الميداني
يُعد اللواء أركان حرب موريس عزيز غالي من الأسماء التي تُذكر ضمن الأبطال الأقباط الذين شاركوا في حرب أكتوبر. وقد ارتبط اسمه باللواء الخامس مشاة، التابع للفرقة التاسعة عشرة مشاة بالجيش الثالث الميداني، الذي كان له دور مهم في العمليات العسكرية بمنطقة عيون موسى وعلى جبهة السويس.
وخلال مشواره العسكري، حصل على عدد من الأوسمة والأنواط تقديرًا لخدمته العسكرية، من بينها نوط الجمهورية العسكري، ونوط الشجاعة العسكري، ونوط الواجب العسكري، ونوط التدريب، ونوط الخدمة الممتازة، وفقًا لما يُتداول في سيرته العسكرية.
وموريس عزيز غالي هو الشقيق الأصغر للفريق فؤاد عزيز غالي، قائد الجيش الثاني الميداني خلال حرب أكتوبر، وهو ما يلفت الانتباه إلى امتداد الخدمة العسكرية والوطنية في الأسرة المصرية، وإلى الدور الذي أداه أبناء مصر في الدفاع عن أرضها وكرامتها.
اللواء سامي حبيب شلبي.. من أبطال الدفاع الجوي
من بين الأسماء التي تُذكر في سياق الحديث عن الأبطال الأقباط المشاركين في حرب أكتوبر، اللواء سامي حبيب شلبي، الذي ارتبط اسمه بسلاح الدفاع الجوي، وهو السلاح الذي أدى دورًا حاسمًا في حماية القوات المصرية وتأمين العبور، والحد من قدرة الطيران الإسرائيلي على مهاجمة قواتنا.
وقد كان الدفاع الجوي أحد مفاتيح النصر في أكتوبر، إذ أسهم في توفير مظلة حماية للقوات المتقدمة، وأثبت أن الانتصار ثمرة عمل جماعي شاركت فيه مختلف الأسلحة والتخصصات العسكرية.
الشهيد المقدم فؤاد حبيب يعقوب.. ابن حي الظاهر بالقاهرة
ومن الأسماء التي تستحق أن نتوقف أمامها الشهيد المقدم فؤاد حبيب يعقوب، ابن حي الظاهر بالقاهرة، الذي خدم بسلاح المدرعات، وشارك في حرب الاستنزاف، ثم استشهد خلال حرب أكتوبر المجيدة.
لقد ترك هؤلاء الأبطال، مهما اختلفت أسلحتهم ورتبهم، رسالة واحدة للأجيال الجديدة: أن الوطن يستحق التضحية، وأن الكرامة لا تُصان إلا بالإخلاص والعمل والاستعداد لبذل الغالي والنفيس.
الشهيد نشأت نجيب الشرقاوي.. قبطي بجوار مسلم في ميدان الشرف
من أبطال سلاح الإشارة الذين تُروى عنهم قصص التضحية في حرب أكتوبر، الشهيد نشأت نجيب الشرقاوي، الذي استشهد خلال معارك أكتوبر في القطاع الأوسط بسيناء، في مواجهة عنيفة بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية المدرعة، المدعومة بالطيران.
وتروي الرواية المتداولة عن بطولته أنه كان يرافق قائده في قلب المعركة، حاملًا جهاز الإشارة لنقل الأوامر والتعليمات إلى القوات المقاتلة، وسط وابل من النيران والقصف الجوي. ومع اشتداد المعركة، أمره قائده بالانسحاب إلى المؤخرة حفاظًا على حياته، لكنه آثر البقاء في موقعه ومواصلة أداء مهمته حتى الرمق الأخير، فسقط شهيدًا بجوار قائده.
إن مشهد الجندي القبطي بجوار قائده المسلم، وهما يؤديان واجبهما حتى الموت، يجسد أسمى معاني الوحدة الوطنية؛ روح بجوار روح، ودم يمتزج بدم على أرض سيناء، دون أن يسأل أحدهما الآخر عن دينه، لأن كليهما كان يدافع عن وطن واحد.
وتُروى كذلك قصة عن تكريم السيدة جيهان السادات لوالدة الشهيد، السيدة بهية جرجس، في إحدى المناسبات التي أعقبت الحرب، تقديرًا لتضحية ابنها وبطولته.
إن هذه القصص، وغيرها كثير، تؤكد أن نصر أكتوبر لم يكن صنيعة فئة بعينها، بل كان ثمرة تضحيات أبناء مصر جميعًا، في ملحمة توحدت فيها الدماء والمصائر.
الشهيد شنودة راغب.. التضحية من أجل القائد والوطن
ومن القصص التي تُروى عن بطولات الأقباط في حرب أكتوبر، قصة الشهيد شنودة راغب، الذي يُقال إنه كان ضمن المقاتلين الذين اقتحموا قناة السويس، وشاركوا في التقدم نحو الضفة الشرقية ورفع العلم المصري.
وتذكر الرواية المتداولة أنه كان برفقة الرائد غريب عبد التواب، وأنه حين أُصيب قائده حاول حمله وإنقاذه، قبل أن تحاصرهما دبابات العدو. وظل شنودة يقاوم ويحاول حماية قائده حتى استشهد الاثنان معًا.
وتبقى هذه القصة، في معناها الإنساني والوطني، صورة مؤثرة للتضحية والإخلاص؛ فالجندي الذي يضع حياة قائده ورفاقه نصب عينيه، ويثبت في ميدان القتال دفاعًا عن وطنه، يقدم نموذجًا خالدًا لمعنى البطولة.
وهناك قائمة طويلة من الأبطال والشهداء الأقباط الذين ضحوا بدمائهم حبًّا في مصر، ولا يتسع المجال لذكرهم جميعًا، لكن واجبنا أن نحفظ أسماءهم، وأن نعرّف الأجيال الجديدة بما قدموه من تضحيات.
ولا تقتصر صفحات البطولة على الشهداء وحدهم، بل تضم أيضًا القادة والمخططين وأصحاب الأفكار التي أسهمت في تحقيق النصر.
اللواء باقي زكي يوسف.. صاحب فكرة فتح الثغرات في خط بارليف
من أبرز النماذج التي تستحق أن نتذكرها اللواء باقي زكي يوسف، صاحب الفكرة الشهيرة باستخدام مضخات المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف.
كانت هذه الفكرة من الحلول الهندسية التي ساعدت القوات المصرية على تجاوز أحد أكبر العوائق أمام العبور، وأصبحت مثالًا على أن الانتصار لا يتحقق بالشجاعة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى التفكير العلمي والابتكار وحسن استغلال الإمكانات المتاحة.
وقد أثبت باقي زكي يوسف أن العقل المصري قادر على ابتكار الحلول للمشكلات الصعبة، وأن الإخلاص للوطن قد يظهر في فكرة ذكية بقدر ما يظهر في بطولة ميدانية.
اللواء طيار حلمي رياض حلمي.. إعداد نسور الجو لمعركة التحرير
ومن الأسماء التي تُذكر في سياق الحديث عن الأبطال الأقباط، اللواء طيار حلمي رياض حلمي، الذي ارتبط اسمه بالعمل في مجال التدريب الجوي وإعداد الطيارين.
فبعد نكسة عام 1967، كان على القوات الجوية المصرية أن تعيد بناء قدراتها، وأن تستعيد كفاءتها القتالية، وأن تُعد جيلًا من الطيارين القادرين على خوض معركة التحرير.
وفي هذه المرحلة، كانت مهمة التدريب وإعادة التأهيل لا تقل أهمية عن القتال نفسه؛ فكل طلعة جوية ناجحة تحتاج إلى إعداد دقيق، وكل طيار يشارك في المعركة يقف وراءه جهد طويل من التدريب والتخطيط.
ويُنسب إلى حلمي رياض حلمي دور في إعداد الطيارين وتطوير التدريب الجوي خلال السنوات السابقة على حرب أكتوبر. وقد أثبتت الضربة الجوية الأولى في السادس من أكتوبر أهمية الإعداد والتخطيط والتنسيق بين مختلف عناصر القوات المسلحة.
وتُروى عنه عبارة منسوبة إلى الرئيس الراحل أنور السادات: «هذا مجهودك يا رياض»، في إشارة إلى الجهد المبذول في إعداد الطيارين، وهي رواية تحتاج إلى توثيق تاريخي قبل اعتمادها بوصفها اقتباسًا حرفيًّا.
ومهما كانت تفاصيل الروايات المنقولة عن الأفراد، فإن الحقيقة الثابتة هي أن النصر كان ثمرة جهود أجيال من القادة والضباط والجنود الذين عملوا بإخلاص لاستعادة الأرض والكرامة.
اللواء أركان حرب ثابت أقلاديوس.. من أبطال المدفعية
ومن الأسماء التي تُذكر في روايات عن البطولات العسكرية للأقباط، اللواء أركان حرب ثابت أقلاديوس، الذي ارتبط اسمه بالعمل في مجال المدفعية خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.
وتتداول بعض الروايات قصة عن موقف له عقب استشهاد الفريق عبد المنعم رياض عام 1969، إذ تشير إلى أنه أصر على الرد على مواقع العدو التي شاركت في قصف القوات المصرية، رغم التحذيرات المتعلقة بانتظار أوامر القيادة العليا.
كما تُنسب إليه إنجازات في تدمير مواقع حصينة للعدو خلال حرب أكتوبر، والمساهمة في تأمين تقدم القوات المصرية.
وتُبرز هذه الروايات، متى أمكن توثيق تفاصيلها وأرقامها من المصادر العسكرية، أهمية سلاح المدفعية في تمهيد الطريق أمام القوات المقاتلة، وتدمير التحصينات المعادية، ودعم تقدم الجيش المصري.
وقد رحل اللواء ثابت أقلاديوس عام 2004، بعد مسيرة من الخدمة العسكرية، بعيدًا عن الأضواء التي ينالها كثير من المشاهير. لكن التاريخ الوطني لا يُقاس بما يحظى به الإنسان من شهرة، بل بما يقدمه لوطنه من إخلاص وعطاء.
دور الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في حرب أكتوبر
كان للكنيسة المصرية دور بارز في حرب أكتوبر، لا ينكره إلا جاحد؛ فقد وقف الأقباط إلى جانب إخوتهم المسلمين، وشاركوا في الدفاع عن تراب الوطن وتحرير الأرض من العدو الغاشم. وشارك الأقباط، بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني، في الحرب بكل شجاعة، وسطروا بتضحياتهم صفحة وطنية من تاريخهم المجيد، امتزجت فيها دماء المصريين، مسيحيين ومسلمين، في ملحمة وطنية خالدة، أثبتت أن الانتماء إلى مصر يجمع أبناءها مهما اختلفت عقائدهم.
ولم يقتصر دور الأقباط في حرب أكتوبر على المشاركة في القوات المسلحة، بل امتد إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، التي أدت دورًا وطنيًّا واجتماعيًّا مهمًّا في دعم المجهود الحربي ومساندة الجنود والمصابين.
فقد وقف قداسة البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية آنذاك، إلى جانب الوطن في هذه المرحلة الدقيقة، وحث الكنائس والجمعيات القبطية على المشاركة في دعم المجهود الحربي، ماديًّا ومعنويًّا.
كما شكّلت الكنيسة لجانًا لجمع التبرعات، وللتواصل مع الكنائس في الخارج والرأي العام العالمي، من أجل شرح موقف مصر وحقها في استرداد أراضيها المحتلة، وحشد الدعم والمساندة للقضية المصرية.
وامتد الدعم إلى تقديم المعونات والمستلزمات الطبية، ومساندة المصابين وأسر الجنود، والمشاركة في الجهود المجتمعية التي احتاجتها البلاد خلال الحرب.
وتذكر مصادر تناولت دور الكنيسة خلال حرب أكتوبر أن الكنيسة قدمت مساعدات كبيرة، من بينها بطاطين لوزارة الشؤون الاجتماعية، وأجهزة لنقل الدم لوزارة الصحة، كما شارك أقباط المهجر في تقديم التبرعات والمساعدات لمصر.
وزار قداسة البابا شنودة الثالث الجرحى في المستشفيات، واهتم بمساندة المصابين، مؤكدًا أن الكنيسة جزء لا يتجزأ من نسيج الوطن، وأن أبناءها شركاء في الدفاع عنه وخدمته.
وهكذا، لم يكن دور الكنيسة مقتصرًا على الصلاة من أجل النصر، رغم أهمية الصلاة، بل امتد إلى العطاء والعمل والتبرع والمساندة العملية، في صورة وطنية تعكس مسؤولية الكنيسة تجاه المجتمع والوطن.
لقد كانت حرب أكتوبر اختبارًا حقيقيًّا لتلاحم المصريين، وأثبتت أن الكنيسة والمسجد، والمؤسسات المدنية والعسكرية، يمكن أن تتكامل جهودها عندما يكون الهدف هو حماية الوطن واسترداد كرامته.
رسالة إلى الأجيال الجديدة
إن تسليط الضوء على بطولات الشهداء والقادة الأقباط في حرب أكتوبر ليس محاولة للفصل بين أبناء الوطن، ولا للمفاضلة بين تضحيات المصريين، بل هو محاولة لإنصاف التاريخ وإبراز نماذج وطنية تستحق أن تعرفها الأجيال الجديدة.
فمن حق كل مصري أن يعرف أن إخوة له من أبناء الكنيسة القبطية قد شاركوا في المعركة، واستشهدوا على أرض سيناء، وأسهموا في إعداد القوات وتقديم الدعم للمجهود الحربي، كما فعل إخوتهم المسلمون، في ملحمة واحدة كان هدفها تحرير الأرض.
ونتمنى أن تحظى هذه النماذج بمكانتها اللائقة في المناهج التعليمية والبرامج الثقافية والتاريخية، حتى يتعرف الطلاب إلى الأبطال الذين قدموا أرواحهم من أجل مصر، ويترسخ في وجدانهم أن المواطنة ليست مجرد كلمات، بل مسؤولية وتضحية وعمل مشترك.
إن دماء الشهداء لا تعرف التفرقة، وأرض سيناء التي ارتوت بدمائهم لا تسأل عن أسمائهم أو عقائدهم، بل تحتفظ بتضحياتهم جميعًا في سجل الوطن.
لقد أثبتت حرب أكتوبر أن المصريين، عندما يتحدون حول هدف وطني، يستطيعون تجاوز الصعاب وصناعة التاريخ. وسيظل السادس من أكتوبر شاهدًا على قدرة هذا الشعب على استعادة أرضه وكرامته، وعلى أن الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل حقيقة تتجسد في المواقف والتضحيات.
تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.
كل عام وأنتم بخير بمناسبة ذكرى انتصارات حرب أكتوبر المجيدة، داعين الله أن يحفظ مصر وشعبها، وأن يديم عليها نعمة السلام والأمان، وأن يرحم شهداءها الأبرار الذين بذلوا أرواحهم فداءً للوطن.



























