مقالات

محمد توفيق يكتب …ما هي الطريقة الصحيحة لتقييم ومتابعة تنفيذ روشتة الإصلاح الاقتصادي؟

 

بقلم/ محمد عبد المهيمن توفيق
محام | دراسات عليا في التجارة الدولية

قبل أن يصدر المواطن المصري الحكم على كفاءة روشتة الإصلاح الاقتصادي، والخروج برأي انها وصفة غير نافعة واننا بحاجة إلى وصفة بديلة. يحتاج الأمر الى أن نطرح سؤالين:
من كتب هذه الوصفة؟ ومن يقوم بتطبيقها؟. فوصفة الإصلاح الاقتصادي يجب أن يكتبها صاحب المصلحة في تنفيذها بالمشاركة مع حكومته. وتكتب بطريقة علمية في ضوء المعطيات الحالية.  وعلى صاحب المصلحة أن يكون له دور في تنفيذ ومتابعة تطبيق خطة الإصلاح الاقتصادي المتفق عليها. من هو صاحب المصلحة؟ صاحب المصلحة هو الشعب المصري. و”الشعب المصري” شاملة أفراد الشعب والحكومة. لبهدف تبسيط للأمور، يحب أن يعرف المواطن المصري ما هو المتفق عليه حتى يعرف كيف يقيم ما تم الاتفاق عليه وطريقة متابعة تنفيذه.

ما الذي تم الاتفاق عليه؟
تم الاتفاق على الإصلاح الاقتصادي. لكن كيف؟ الإجابة على هذا السؤال يحتاج من القارئ أن يتعرف أولا على الأنواع الثلاثة للأنظمة الاقتصادية ثم تحديد أي من النظم تتبعها جمهورية مصر العربية. هذا التحديد يساعد الإجابة الأسئلة السابقة.

من ناحية النظم الاقتصادية، الدولة تختار النظام الأنسب لظروفها الاقتصادية الحالية لتسير عليه. النظم الاقتصادية الأكثر تطبيقا في العالم وتتبعها اغلب الدول هذه اللحظة هي اما: اقتصاد السوق أو اقتصاد موجه او اقتصاد مختلط.

معرفة نوع النظام الاقتصادي يساعدك على فهم طبيعة خطة الإصلاح الاقتصادي وبالتالي تحديد من ينفذها  وطريقة متابعة تنفيذها. لذلك سوف نوضح من خلال الأسطر التالية وباختصار مفاد النظم الاقتصادية الثلاثة.

اولا: اقتصاد السوق:
في نظام اقتصاد السوق، يكون تحديد عدد المشروعات ونوعها متروك للعرض والطلب. بمعنى ابسط، الأفراد هم من ينتبهون إلى حاجة السوق بوعيهم و يبادرون بإنشاء مشاريع تتخذ شكل شركات القطاع الخاص. في هذا النظام، الحكومة لا تفرض شئ ولا توجه الاقتصاد من خلال مشاريع خاصة بها كحكومة.  ويقتصر دور الحكومة على تهيئة الجو المناسب لإقامة المشاريع من الناحية التشريعية والسياسية. ويتم فتح ابواب الدولة على مصرعيها للاستثمارات الأجنبية المباشرة. هذه الدول تلتزم بمبادئ حرية التجارة الدولية بين الدول وتروج لها على المستوى الدولي. الدول الرأسمالية هي التي تتبع هذا النظام. ومثال على ذلك، الولايات المتحدة الأمريكية. في هذا النظام، تتخذ الحكومة موقف المتفرج من ناحية المبادرات تاركة المجال للشعب وللاجانب.

ثانيا: اقتصاد موجه:
في نظام الاقتصاد الموجه، الحكومة هي التي توجه الخطة الاقتصادية. من أهداف التشريعات والقوانين في الدول التي تتبع هذا النظام تضييق النطاق على حرية الأفراد في إنشاء مشروعاتهم الخاصة وامتلاكها. وذلك في سبيل ان تنشئ الدولة ما تراه مناسبا من مشروعات. وبالتالي تكون المشروعات ملك للدولة. ويتم فرض قيود على حرية التجارة الدولية وتضييق الخناق تماما على الاستثمارات الأجنبية المباشرة على أرض الوطن. من أمثلة الدول التي تتبع هذا النظام في الوقت الحالي فنزويلا. وكانت مصر تتبع هذا النظام في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. في هذا النظام، يتخذ الشعب موقف المتفرج من ناحية المبادرات وينظر كل شئ من الحكومة.

ثالثا: الاقتصاد المختلط:
في نظام الاقتصاد المختلط، يكون إنشاء بعض المشروعات من قبل الدولة وفي نفس الوقت تسمح الدولة للأفراد بإنشاء شركاتهم بحرية. وتقوم الدولة بتيسير المناخ على أرضها للمواطنين والأجانب من أجل تيسير إقامة المشروعات الخاصة من قبل المواطنين والاستثمار الأجنبي المباشر من قبل الأجانب .  من أمثلة الدول التي تتبع هذا النظام حاليا هي الصين وجمهورية مصر العربية. في هذا النظام، الحكومة والشعب مشاركين في تطبيق خطة الإصلاح الاقتصادي. فلا يجوز أن يتخذ أحد الأطراف موقف المتفرج دون أن يدلو بدلوه في تنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي.

كيف تختار الدولة النظام الاقتصادي؟ الممارسات الدولية تدل على أن الدولة تختار النظام الاقتصادي الذي يحقق لها مصلحتها الحالية. وبالتبعية، تجد الدولة تنتقل من نظام إلى آخر حسب الظروف الاقتصادية. واقعيا، الدول الغنية  وبعد أن ثبت لها فشل النظام الاقتصادي الموجه، بدأت بالاقتصاد المختلط. والسبب هو أن هذا النظام يسمح لها بالتدخل في الإصلاح الاقتصادي بإجراءات هدفها حماية الصناعات الوليدة والجوانب التي للدولة فيها ميزة نسبية. وكأن الحكومة تيسر وتمهد الطريق للقطاع الخاص وفي نفس الوقت تتخذ إجراءات  تحميه من المنافسة الخارجية أو تنظم المنافسة الداخلية. هذه الإجراءات قد تأخذ شكل القوانين التي ترفع من قيمة الجمارك على الحاصلات الزراعية مثلا او انشاء مشروعات وطنية كبيرة تمهد الطريق المشروعات الصغيرة والمتوسطة الخاصة بالأفراد.

في هذا النظام الاقتصادي، يتم كتابة الخطة الاقتصادية باتباع مبادئ السوق الحر وتحرير التجارة الدولية التي لها أضرار لا مفر منها.  ثم تقوم الدولة بالتدخل بإجراءات للحد من تلك الأضرار. من ضمن الإجراءات تحرير سعر الصرف وإلغاء التعريفات الجمركية على الواردات. هذه الإجراءات لها أثر سلبي على مجموعة من المواطنين ولها أثر إيجابي على مجموعة أخرى من المواطنين حسب الطبيعة الاقتصادية الفردية لكل مواطن  هل هو موظف وتم الاستغناء عنه أم تم توطيد مكانته في الشركة التي يعمل بها؟ هل هو تاجر؟ وما هي طبيعة التجارة؟ هل تعتمد على الاستيراد أم تعتمد على التصدير. في النهاية سيكون هناك خاسر ورابح. وعلى الخاسر ان يتحلى بالمرونة لمواكبة التطورات او انتظار الحكومة ان تفعل له شيئا. وكلما تدخلت الحكومة، كلما قلت فرصة الانتقال إلى المرحلة التالية التي انتقلت لها جميع الدول الرأسمالية . وهي الانتقال لمرحلة السوق الحر بعد البقاء فترة في مرحلة السوق المختلط.

الآن وقد عرف القارئ أن مصر تتبع النظام الاقتصادي المختلط، عسى أن تكون اتضحت مبررات وشكل خطة الإصلاح الاقتصادي الحالية من ناحية المبدأ. بذلك تكون المبادئ التي كتبت في ضوئها  الروشتة أو الخطة وضحت. أثناء السير في تطبيق الخطة، يطرأ عليها حاجة إلى التعديل، لكن التعديلات ستكون في ضوء المبادئ العامة، مبادئ الاقتصاد المختلط. الان، لنجيب على الأسئلة.

من كتب وصفة الإصلاح الاقتصادي؟
الشعب المصري متمثلا في كل من يحيط برئيس الجمهورية من مستشارين وعلماء إقتصاد إلى رئيس الجمهورية شخصية. بالتأكيد هناك من هو من العلماء ومعارض لتفاصيل الخطة. لكن هناك من العلماء من هو متفق معها.

من يقوم بتطبيق خطة الإصلاح الاقتصادي؟
الحكومة المصرية  من جهة والشعب المصري من جهة أخرى متمثلا في القطاع الخاص المصري.

كيف يتم تقييم تطبيق الخطة الحالية؟
يتم تقييم الخطة الحالية بالنظر إلى مساهمة الطرفين القائمين على تطبيقها.  الكثير من الناس ينظر إلى الحكومة فقط ولا يقع القطاع الخاص في مرمى بصره نهائيا. في حين أن القطاع الخاص له دور أساسي ومحوري في تنفيذ الخطة. هل تبحث في مدى مساهمة القطاع الخاص؟  مع الأسف لا. مع العلم أنه إذا لم يبادر للقطاع الخاص، لن ترى للخطة نتائج لانها لن تنفذ. هذا بالإضافة إلى أن مبادرة القطاع الخاص ينتج عنها ظهور حاجة إلى إجراءات تتخذ من قبل الحكومة. لن تظهر هذه المتطلبات حتى يتحرك القطاع الخاص. وهذا يؤخر التقدم الاقتصادي في مصر.

الخلاصة القول أن مصر تتبع نظام اقتصادي مختلط. هذا يعني أن هناك مساحة مفتوحة لمبادرة الشعب المصري لن تقترب الحكومة منها.  اذا دخلت الحكومة في هذا المساحة بدلا من الشعب، سوف نتجه ونتحول الى نظام الاقتصاد الموجه كما كنا في عهد الرئيس جمال عبد الناصر بدلا من الاتجاه ناحية نظام اقتصاد السوق الذي أثبت فاعليته عمليا على المستوى الدولي .   في ضوء هذا التوضيح، نهيب بالقارئ متابعة أخبار القطاع الخاص ومؤتمراته. فى مصلحة الشعب المصري أن يتجه نظره الى مؤتمر مثل الذي يعقد يوم ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩، مؤتمر “مستقبل الاستثمار في مصر”، بقاعة عايدة بفندق ماريوت القاهرة، والذي تنظمه جمعية رجال الأعمال المصريين، وجمعية شباب الأعمال المصريين وجمعية رجال الأعمال بالإسكندرية. ويدور المؤتمر حول تعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري. الدولة تحتاج إلى أن يهتم المواطن المصري بنتائج هذه النوعية من المؤتمرات والمبادرات ومساهمتها في النهضة الاقتصادية. متابعة هذه المؤتمرات عن كثب يزيد من اهتمام القائمين عليها بمخرجاتها.

في النهاية، ما هي الطريقة الصحيحة لتقييم ومتابعة تنفيذ روشتة الإصلاح الاقتصادي؟
الطريقة الصحيحة هي النظر إلى ممارسات الحكومة وتشجيع مبادرات القطاع الخاص على حد سواء. من الخطأ إلقاء الضوء على الحكومة فقط في حين أن مصر تتبع نظام اقتصادي مختلط. يحب أن يكون للشعب المصري دور في تحريك القطاع الخاص في مصر بنفس الطريقة التي يريد بها أن يكون له دور في التعديل على ممارسات الحكومة والبحث عن بدائل أفضل في هذه الناحية. وبذلك يكون المواطن المصري متابع ومراقب الخطة وتفاصيلها واقتراح تعديلاتها ومتابعة تنفيذها بصورة فعالة تساهم في إعمار الدولة المصرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: