بقلم القس/ بولا فؤاد رياض
كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية -القاهرة
تعيد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعيد الصعود المجيد بعد مرور أربعين يومًا من احتفالنا بعيد القيامة المجيد، حيث صعد السيد المسيح إلى السموات أمام أعين تلاميذه كما يقول الكتاب: «وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ. وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلاَنِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ، وَقَالاَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ» (أع ١: ٩-١١).
ولنا في الصعود دروس روحية عظيمة:
١- نتعلم من الصعود أن السيد المسيح كما قام بقوة لاهوته، صعد أيضًا إلى السماء بقوة لاهوته، فلم يحتج إلى مركبة نارية مثل إيليا، ولا اختفى مثل أخنوخ، لأن صعوده كان عملًا إلهيًا خاصًا به.
٢- الصعود معجزة خاصة بالسيد المسيح، مثل ميلاده العذراوي وقيامته المجيدة، فهو الإله الظاهر في الجسد.
٣- صعد السيد المسيح بجسده، أما لاهوته فلا يصعد ولا ينزل لأنه يملأ الكل، لذلك نصلي في القداس الإلهي: «وعند صعودك إلى السموات جسديًا».
٤- صعد إلى السماء لكنه لم يفارقنا، فلا نراه بالجسد لكننا نؤمن بحضوره الدائم معنا، لأنه وعدنا قائلًا: «وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ» (مت ٢٨: ٢٠).
٥- اختفى عن أنظار التلاميذ لكنه لم يختفِ عن قلوبهم وأرواحهم، لذلك عاشوا بعد الصعود في فرح ورجاء، كما يقول الإنجيل: «فَسَجَدُوا لَهُ وَرَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ» (لو ٢٤: ٥٢).
٦- بالصعود انتهت فترة إعداد التلاميذ لتبدأ خدمتهم العملية بعد حلول الروح القدس عليهم يوم الخمسين.
٧- بالصعود أعلن السيد المسيح سلطانه حتى على قوانين الطبيعة والجاذبية التي هو نفسه خالقها.
٨- الصعود هو دعوة للسلوك بالإيمان لا بالعيان، لذلك فُطمت الحواس عن الاعتماد على الرؤية الجسدية ليتعلق القلب بالإيمان، كما يقول الرسول: «لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعِيَانِ» (٢كو ٥: ٧).
٩- التلاميذ ودعوا السيد المسيح في صالة السفر، لكنه بقي معهم بالإيمان، لذلك رجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم.
١٠- صعود السيد المسيح هو باكورة صعودنا نحن أيضًا، لذلك يقول الرسول: «الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ» (في ٣: ٢١).
١١- الجلوس عن يمين الآب لا يعني مكانًا أو جهة، لأن الله ليس له يمين أو يسار، بل المقصود هو استرداد الابن لمجده الذي أخلى ذاته عنه طوعًا أثناء التجسد والفداء، كما يقول المرتل: «يَمِينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً. يَمِينُ الرَّبِّ ارْتَفَعَتْ. يَمِينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً» (مز ١١٨: ١٥-١٦).
١٢- في الصعود انتهت مرحلة «أَخْلَى نَفْسَهُ» (في ٢: ٧)، فقد ظهر السيد المسيح بعد صعوده في مجده لشاول الطرسوسي في طريق دمشق وقال له: «شَاوُلُ شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ» (أع ٩: ٤-٥). كما ظهر ليوحنا الحبيب في جزيرة بطمس: «وَأَمَّا رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَأَبْيَضَانِ كَالصُّوفِ الأَبْيَضِ كَالثَّلْجِ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ… وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا» (رؤ ١: ١٤-١٦).
وفي عيد الصعود نجد أيضًا:
أ) الرجاء في نهاية الألم.
ب) الصبر وانتظار تحقيق وعود الله، ومنها: ١- إرسال الروح القدس: «لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ» (أع ١: ٨).
٢- «لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ» (يو ١٤: ١٨).
٣- «وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ» (يو ١٢: ٣٢).
٤- «أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا» (يو ١٤: ٢).
٥- «وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا» (يو ١٤: ٣).
ونحن نحتفل بعيد الصعود، يهمس لنا الإنجيل: «فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ. اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى الأَرْضِ» (كو ٣: ١-٢).
بالصعود جذب السيد المسيح أنظارنا إلى السماء، لكي نترك الفانيات ونرتفع إلى الأبديات، وندرك أن لنا وطنًا سماويًا ومكانًا معدًا عند الله.
اصعد فيعطيك الله:
١- اصعد عن ملذاتك يعطيك مشتهياته: «الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ صَنَمًا كُلُّهُمْ بَاطِلٌ، وَمُشْتَهَيَاتُهُمْ لاَ تَنْفَعُ» (إش ٤٤: ٩). «لأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِي بَطْنِهِ قَنَاعَةً، لاَ يَنْجُو بِمُشْتَهَاهُ» (أي ٢٠: ٢٠). «لِيَحْمَدُوا الرَّبَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَجَائِبِهِ لِبَنِي آدَمَ، لأَنَّهُ أَشْبَعَ نَفْسًا مُشْتَهِيَةً، وَمَلأَ نَفْسًا جَائِعَةً خُبْزًا» (مز ١٠٧: ٨-٩). «حَلْقُهُ حَلاَوَةٌ وَكُلُّهُ مُشْتَهَيَاتٌ. هذَا حَبِيبِي وَهذَا خَلِيلِي يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ» (نش ٥: ١٦).
«تَعَرَّفْ بِهِ وَاسْلِمْ. بِذلِكَ يَأْتِيكَ خَيْرٌ. اِقْبَلِ الشَّرِيعَةَ مِنْ فِيهِ، وَضَعْ كَلاَمَهُ فِي قَلْبِكَ» (أي ٢٢: ٢١-٢٢).
١- «إِنْ رَجَعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ تُبْنَى». ٢- «إِنْ أَبْعَدْتَ ظُلْمًا عَنْ خَيْمَتِكَ». ٣- «وَأَلْقَيْتَ التِّبْرَ عَلَى التُّرَابِ». ٤- «وَذَهَبَ أُوفِيرَ بَيْنَ حِصَى الأَوْدِيَةِ».
حينئذ: أ) «يَكُونُ الْقَدِيرُ تِبْرَكَ». ب) «لأَنَّكَ حِينَئِذٍ تَتَلَذَّذُ بِالْقَدِيرِ». ج) «وَتَرْفَعُ إِلَى اللهِ وَجْهَكَ». د) «تُصَلِّي لَهُ فَيَسْمَعُكَ». هـ) «وَتَقْضِي نُذُورَكَ». و) «تَعْزِمُ عَلَى أَمْرٍ فَيَثْبُتُ لَكَ، وَعَلَى طُرُقِكَ يُضِيءُ نُورٌ» (أي ٢٢: ٢٣-٢٨).
٢- اصعد عن ماضيك يعطيك طرقه: «لاَ تَذْكُرُوا الأَوَّلِيَّاتِ، وَالْقَدِيمَاتِ لاَ تَتَأَمَّلُوا بِهَا. هأَنَذَا صَانِعٌ أَمْرًا جَدِيدًا» (إش ٤٣: ١٨-١٩). «عَرَّفَ مُوسَى طُرُقَهُ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ أَفْعَالَهُ» (مز ١٠٣: ٧).
٣- اصعد عن كسلك يعطيك حرارته: «فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَسْنَا عَامِلِينَ حَسَنًا» (٢مل ٧: ٩). «لاَ أَدْخُلُ خَيْمَةَ بَيْتِي، لاَ أَصْعَدُ عَلَى سَرِيرِ فِرَاشِي… إِلَى أَنْ أَجِدَ مَكَانًا لِلرَّبِّ، مَسْكَنًا لِعَزِيزِ يَعْقُوبَ» (مز ١٣٢: ٣-٥). «بَارِكُوا الرَّبَّ يَا مَلاَئِكَتَهُ الْمُقْتَدِرِينَ قُوَّةً، الْفَاعِلِينَ أَمْرَهُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ كَلاَمِهِ» (مز ١٠٣: ٢٠). «الصَّانِعُ مَلاَئِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ نَارًا مُلْتَهِبَةً» (مز ١٠٤: ٤).
٤- اصعد عن قناعاتك المحدودة يعطيك مواعيده: «لَمَّا كُنْتُ طِفْلًا كَطِفْلٍ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ، وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْطَنُ، وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلَكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلًا أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ» (١كو ١٣: ١١). «وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ وَهِيَ أَثْبَتُ… إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ وَيَطْلُعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ» (٢بط ١: ١٩).
٥- ابتعد عن الفانيات يعطيك الأبديات: «لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ… يُنْشِئُ لَنَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ ثِقَلَ مَجْدٍ أَبَدِيًّا» (٢كو ٤: ١٦-١٧). «وَنَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ» (٢كو ٤: ١٨). «فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى… وَلَكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ» (٢بط ٣: ١١-١٣).
«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ» (يو ١: ٥١).
وأخيرًا يبقى وعده الصادق الأمين: «وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ وَإِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ» (مت ٢٨: ٢٠).
كل عيد صعود مجيد وأنتم ممتلئون نعمة وفرحًا، وكل عام وأنتم بخير.



























