بقلم القس/ بولا فؤاد رياض
كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة
تعيد الكنيسة في اليوم الخمسين بعد عيد القيامة المجيد بعيد حلول الروح القدس، وفى اليوم التالى للاحتفال بعيد حلول الروح القدس تصوم الكنيسة صوم الآباء الرسل الذى ينتهي بالاحتفال بعيد الآباء الرسل (استشهاد القديسين بطرس وبولس). وصوم الآباء الرسل يختلف موعد بدايته من عام لآخر طبقاً لموعد عيد القيامة المجيد، ولكن له نهاية محددة هى عيد الآباء الرسل الموافق دائماً ١٢ يوليو من كل عام.
لقد وعد السيد المسيح تلاميذه قائلاً: «لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (أع ١: ٨).
وفى يوم الخمسين تحقق الوعد الإلهي: «وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ» (أع ٢: ٤).
ولهذا تقف الكنيسة فى مساء هذا العيد لتطلب استمرار هذا العمل الإلهي فى حياتها، فلا يكون الروح القدس مجرد حدث تاريخي وقع فى العلية، بل خبرة متجددة فى حياة المؤمنين.
والكنيسة تصلى السجدات فى وقت الساعة التاسعة (تقابل الساعة الثالثة بعد الظهر)، وهى الساعة التى أسلم فيها السيد المسيح روحه على الصليب من أجل خلاص العالم: «فَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ» (مر ١٥: ٣٧).
فالكنيسة تربط بين الصليب وحلول الروح القدس (العنصرة)، لأن الروح القدس لم يُعط للبشرية إلا بعد أن أكمل السيد المسيح الفداء وصالح الإنسان مع الآب، كما يقول الإنجيل: «لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ، لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ» (يو ٧: ٣٩).
فالعنصرة هى ثمرة الصليب، والروح القدس هو عطية المسيح القائم والممجد.
السجدات الثلاثة وإعلان الإيمان بالثالوث القدوس
فكل سجدة هى اعتراف بأن خلاص الإنسان وعمله الروحي وحياته الأبدية هى عمل الثالوث القدوس الإله الواحد، وكما أوصى السيد المسيح تلاميذه: «فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ» (مت ٢٨: ١٩).
وفى كل سجدة تنحنى الكنيسة أمام الله الثالوث القدوس، شاكرة الآب الذى أحب، والابن الذى فدى، والروح القدس الذى قدس.
من الشريعة إلى النعمة
تحمل السجدات الثلاثة أيضاً معنى روحياً عميقاً، فالسجدتان الأوليتان تُصليان خارج الهيكل فى إشارة رمزية إلى العهد القديم والشريعة التى قادت الإنسان نحو معرفة الله، أما السجدة الثالثة فتُصلى داخل الهيكل رمزاً للعهد الجديد حيث صار المؤمنون هيكلاً للروح القدس: «أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟» (١كو ٣: ١٦).
فالإنسان لم يعد يقف بعيداً، بل دخل إلى قدس الأقداس بالدم الكريم وصار له دالة البنين أمام الآب.
صلاة من أجل الأحياء والراقدين
ومن أجمل ما يميز صلوات السجدة أنها تكشف وحدة الكنيسة الواحدة فى السماء وعلى الأرض. فالكنيسة لا تنسى أبناءها المنتقلين، بل ترفع من أجلهم صلوات كثيرة معلنة أن المحبة لا تنتهي بالموت وأن شركة القديسين تبقى قائمة فى المسيح (لذلك فالكنيسة تكرم القديسين والشهداء ولا تعبدهم بالطبع)، فالعبادة هى لله وحده: «لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ» (مت ٤: ١٠).
ويقول الرسول بولس: «لأَنَّهُ إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ» (رو ١٤: ٨).
وهكذا ترتفع الصلوات كالبخور أمام عرش الله من أجل الأحياء والراقدين معاً، لأن الكنيسة جسد واحد ورأسها هو المسيح.
أعمال الروح القدس
*من أعمال الروح القدس فى حياة المؤمنين والكنيسة:*
١) يعلم ويذكر المؤمنين بتعاليم المسيح: «وَأَمَّا الْمُعَزِّي الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ» (يو ١٤: ٢٦).
٢) يمجد المسيح: «ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ» (يو ١٦: ١٤).
٣) يجدد: يجدد حياة الإنسان روحياً (الولادة الجديدة من فوق). «خَلَّصَنَا بِغَسْلِ الْمِيلادِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ» (تي ٣: ٥).
٤) يقدس: «وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا» (١كو ٦: ١١).
٥) يرشد: «وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يَرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ» (يو ١٦: ١٣).
٦) يبكت: «وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ» (يو ١٦: ٨).
٧) يمكث مع المؤمنين: «وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ» (يو ١٤: ١٦).
٨) يمنح المؤمنين قوة وشهادة حية للمسكونة: «لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا…» (أع ١: ٨).
٩) يعزي: «وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْجَلِيلِ وَالسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلاَمٌ، وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ الرَّبِّ، وَبِتَعْزِيَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ» (أع ٩: ٣١).
١٠) يقوي المؤمنين: «وَلْيَمْلأْكُمْ إِلهُ الرَّجَاءِ كُلَّ سُرُورٍ وَسَلاَمٍ فِي الإِيمَانِ، لِتَزْدَادُوا فِي الرَّجَاءِ بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ» (رو ١٥: ١٣).
١١) يسكن فى المؤمنين: «اِحْفَظِ الْوَدِيعَةَ الصَّالِحَةَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ السَّاكِنِ فِينَا» (٢تي ١: ١٤).
*ثمار الروح القدس:*
«وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلاَحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ» (غل ٥: ٢٢-٢٣).
١) محبة: «أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ…» (١يو ٤: ٧).
٢) فرح: «اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا» (في ٤: ٤). «كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ» (يو ١٥: ١١).
٣) سلام: «سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ…» (يو ١٤: ٢٧).
٤) طول أناة: «بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَوَدَاعَةٍ وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ» (أف ٤: ٢).
٥) لطف: «وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ…» (أف ٤: ٣٢).
٦) صلاح: «لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرٍّ وَحَقٍّ» (أف ٥: ٩).
٧) إيمان: «وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى» (عب ١١: ١).
٨) وداعة: «تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ» (مت ١١: ٢٩).
٩) تعفف: «وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفًا، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْرًا…» (٢بط ١: ٦).
أننا فى مدرسة نتدرب فيها على ضبط النفس فى كل شيء وفى كل ظرف.
صلاة روحية من وحي صلاة السجدة:
«أيها الروح القدس، روح الله الحي الساكن في كنيستك والمقيم في قلوب المؤمنين، نسجد أمامك اليوم بقلوب منكسرة طالبين رحمتك وغناك الإلهي. تعال أيها المعزي الصالح، وطهر نفوسنا من كل دنس، وأنر أذهاننا بنور معرفتك، وأشعل فينا نار محبتك المقدسة. يا من حولت الصيادين البسطاء إلى رسل كارزين، حول ضعفنا إلى قوة، وخوفنا إلى شجاعة، وبرودة قلوبنا إلى نار روحية لا تنطفئ.
يا روح القداسة، جدد كنيستك واحفظ رعاتها، قداسة البابا تواضروس الثاني، وكل أساقفتها وقسوسها وشعبها، واملأ العالم من سلامك الإلهي. اذكر يا رب آباءنا وإخوتنا الذين سبقونا إلى الفردوس، وامنحهم نصيباً وميراثاً مع جميع القديسين الذين أرضوك منذ البدء.
واجعلنا مستحقين أن نسجد لك هنا على الأرض بقلب نقي، حتى نسبحك مع ملائكتك وقديسيك في أورشليم السمائية إلى الأبد، لأنك أنت هو الروح المعزي، روح الحق المنبثق من الآب، المستقر في الابن، الذي لك مع الآب والابن كل مجد وكرامة وسجود الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.
بركة هذا العيد المقدس، وعمل الروح القدس المعزي في حياة الكنيسة والمؤمنين، تكون معنا جميعاً، ولتملأ قلوبنا بثماره المقدسة من محبة وفرح وسلام، ولتمنحنا القوة للشهادة للمسيح في كل مكان.
وكل عام وأنتم بخير.




























