بقلم القس/ بولا فؤاد رياض
كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة
تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 24 بشنس الموافق الأول من يونيو بعيد دخول السيد المسيح والعائلة المقدسة إلى بلادنا العزيزة مصر. فمنذ ألفي سنة تقريبًا، ومع بدايات القرن الأول الميلادي، جاءت العائلة المقدسة إلى أرض مصر قادمة من فلسطين، وتباركت أرض مصر بقدوم العائلة المقدسة إليها.
وفي رحاب وادي النيل، وفوق روابي ووديان أرض مصر الطيبة، وعلى ضفاف نيلها العظيم، وجدت العائلة المقدسة الأمان والحماية، واستقبلت مصر في وقار وإجلال وترحاب أعظم زائر في تاريخها كله. ومنحت العائلة المقدسة البركة لأرض مصر وشعبها المبارك: «مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ» (إش 19: 25).
وكان مجيء السيد المسيح مع أمه السيدة العذراء مريم والقديس يوسف النجار أعظم حدث في تاريخ مصر كله. ولم تكن زيارة السيد المسيح لأرض مصر مجرد رحلة هروب، بل كانت لها رسالة وعمل إلهي في أرض مصر، وما زالت أرضها الطيبة تحتفظ بذكريات وبركات هذه الرحلة التاريخية الفريدة، والمؤكدة كتابيًا وتاريخيًا وأثريًا.
١) حقيقة كتابية:
وردت نصوص عن رحلة العائلة المقدسة في العهد الجديد، إذ يقول القديس متى الإنجيلي:
«وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: “قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ، لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ”. فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلًا وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: “مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي”» (مت 2: 13-15).
كما وردت عنها نبوات في العهد القديم:
«هُوَذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ، فَتَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ، وَيَذُوبُ قَلْبُ مِصْرَ دَاخِلَهَا» (إش 19: 1).
«لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلَامًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي» (هو 11: 1).
٢) حقيقة تاريخية:
وردت تفاصيل الرحلة في ميامر قديمة كتبها آباء الكنيسة. ومن أقدم الميامر التي وردت بها تفاصيل رحلة العائلة المقدسة:
ميمر البابا ثاؤفيلس الإسكندري الـ23 (385-412م)، وميمر البابا تيموثاؤس البطريرك الـ26 (458-480م)، وميمر الأنبا قرياقوس (هرياقوص) أسقف البهنسا (القرن السابع)، وميمر الأنبا زخارياس أسقف سخا (نحو 639-723م)، إلى جانب ما ذكره السنكسار القبطي والدفنار القبطي تحت يوم 24 بشنس، وما ورد في «هيستوريا موناخوروم» عن مصر للرهبان السبعة في القرن الرابع، وفي تاريخ الكنيسة لسوزومين في القرن الخامس، وما كتبه موهوب بن منصور في تاريخ البطاركة، وأبو المكارم في كتاب تاريخ الكنائس والأديرة.
٣) حقيقة أثرية:
ما زالت هناك آثار تؤكد مجيء العائلة المقدسة إلى أرض مصر، منها أديرة وكنائس أثرية، وهياكل ومذابح قديمة، ومغائر وصخور وأحجار تحمل علامات ونقوشًا، إلى جانب حفائر وأطلال وآبار وأشجار ارتبطت بالرحلة. وتمتد هذه الآثار على طول مسار رحلة العائلة المقدسة في سيناء والقاهرة الكبرى والوجهين البحري والقبلي، ويضاف إلى ذلك الأيقونات الأثرية والمخطوطات والقطع الفنية التي تصور الرحلة.
البركات الروحية لزيارة العائلة المقدسة لمصر:
إن الهروب إلى أرض مصر كان لحكمة في التدبير الإلهي، ولم يكن ضعفًا أو سلبية، بل أراد السيد المسيح أن يعلمنا حكمة الابتعاد عن مصادر الشر. وفكرة الهروب من الشر هي مبدأ روحي كتابي: «اَلذَّكِيُّ يُبْصِرُ الشَّرَّ فَيَتَوَارَى، وَالْحَمْقَى يَعْبُرُونَ فَيُعَاقَبُونَ» (أم 27: 12).
هذا المبدأ الروحي أراد السيد المسيح أن يعلمه للجميع، ويمكن وصف الهروب هنا بأنه حكمة وتفضيل للسلام. فالإنسان الروحي يفضل السلام على الحروب التي بلا منفعة، وليس الهروب خوفًا أو جبنًا أو ابتعادًا عن المواجهة. والدليل على ذلك أن السيد المسيح واجه الشيطان وبدد سلطان الأوثان التي كانت منتشرة في أرض مصر، فلم يكن الهروب بسبب خوف أو عجز.
ومن بركات الهروب إلى مصر أيضًا أنه مهما كان حجم حيل المضاد ومؤامرات الأشرار، فإن الحفظ الإلهي أقوى وأعظم. فالتدبير الإلهي يعلو فوق التفكير البشري، والله يتدخل في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة. وقد أراد الله أن يمنح بركات عظيمة لبلادنا العزيزة مصر، فصارت أرضًا مباركة، يملأ الله ربوعها بالخير والسلام والأمان والنماء والرخاء. كما كانت تحركات العائلة المقدسة بإرشادات سماوية، ومن ذلك نتعلم السير بحسب القصد والإرشاد الإلهي.
مفاهيم لاهوتية في زيارة العائلة المقدسة لمصر:
إلى جانب البركات الروحية، تشتمل رحلة العائلة المقدسة على مفاهيم لاهوتية مهمة:
١- تحقيق النبوات الواردة في أسفار العهد القديم، وسقوط الأوثان وارتجافها أمام وجه السيد المسيح، وكل ذلك يؤكد سلطانه وقدرته الإلهية بوصفه الكلمة المتجسد.
لقد سقطت الأوثان وتحطمت داخل معابدها في أكبر معاقل الوثنية في مصر، وشعر الوثنيون أن هيبة آلهتهم قد سقطت، وأن هناك قوة أعظم من آلهتهم، فتحققت النبوة القائلة: «وَيَذُوبُ قَلْبُ مِصْرَ دَاخِلَهَا» (إش 19: 1).
كما أن المعجزات والعجائب التي حدثت أثناء الرحلة، والإرشادات السماوية التي قادت العائلة المقدسة بواسطة ملاك الرب ليوسف البار، كلها تحمل أبعادًا لاهوتية عميقة.
تراث شعبي عن زيارة العائلة المقدسة لمصر:
هناك روايات شعبية كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال:
١- في منطقة العياط جنوب الجيزة، يروي الأهالي أن العائلة المقدسة تعرضت أثناء مرورها لموقف قاسٍ من أحد الأشخاص، فارتبط اسم المنطقة في الذاكرة الشعبية بالبكاء والعويل.
كما تروي رواية أخرى أن أحد الفلاحين استضاف العائلة المقدسة وسقاهم من ماء بئره، وعندما علم بقصة هروبهم من جنود هيرودس تعاطف معهم. فأشارت السيدة العذراء إلى بذور البطيخ الموجودة لديه وطلبت منه زراعتها، فامتلأ الحقل سريعًا بالثمار بمعجزة إلهية، حتى إذا مر الجنود وسألوا عن العائلة أخبرهم أنهم مروا وقت زراعة البذور، فظن الجنود أن الأمر حدث منذ زمن طويل فكفوا عن مطاردتهم.
تأثيرات حضارية لرحلة العائلة المقدسة:
بلا شك أن رحلة العائلة المقدسة في أرض مصر من أهم الركائز الأساسية للحضارة القبطية المصرية، إذ أعطتها عمقًا ورسوخًا واستمرارية.
فقد جاء السيد المسيح بنفسه إلى أرض مصر وباركها، وتحطمت أوثانها خلال زيارته المباركة، وبدأ التغيير العقائدي والفكري من المعتقدات الوثنية إلى الإيمان بالله الواحد. وكأن السيد المسيح بيديه المباركتين يضع حجر الأساس للكنيسة المصرية ويفتح الصفحة الأولى في قبولها للإيمان المستقيم.
ومنذ القرون الأولى للمسيحية أقيمت الكنائس والأديرة على امتداد مسار الرحلة، مما ساهم في نشأة تجمعات بشرية وعمرانية ارتبطت بهذه المواقع المباركة، وكان للرحلة تأثيرات جغرافية وديموغرافية وحضارية، كما أثرت في تسمية بعض المدن والمواضع التي مرت بها.
كما رسخت الرحلة في وجدان الشعب المصري مكانة أرض مصر المباركة والكنيسة القبطية المجيدة، وكان لها أثر واضح في الأيقونات والفنون والآثار القبطية المختلفة.
مشقات كثيرة:
إنها رحلة طويلة وشاقة؛ فقد تجاوزت مسافتها نحو 2800 كيلومتر تقريبًا، واستغرقت ما يقرب من أربع سنوات، وتحملت خلالها العائلة المقدسة الكثير من المشقات والتعب.
القيم الإنسانية في زيارة العائلة المقدسة لمصر:
تتضمن رحلة السيد المسيح إلى بلادنا مصر قيمًا إنسانية سامية. ففيما هو قد تألم، يقدر أن يعين المتألمين والمتعبين والمحتاجين.
لقد ذاق السيد المسيح بالجسد في طفولته آلام الهروب من قوى الشر والظلم وسفك الدماء، ليوجه أنظار العالم كله نحو المتألمين والمهاجرين واللاجئين والنازحين والهاربين من الحروب والاضطهادات.
كما تعلمنا الرحلة إكرام الغريب واستضافة المحتاج ومساندة المتألمين، والاهتمام بكل من ليس له معين أو سند. وخلال تلك الرحلة ذاقت العائلة المقدسة قسوة الجوع والعطش والظروف المناخية الصعبة، لتلفت أنظارنا إلى إخوتنا الذين يعانون المجاعات والكوارث والحرمان.
إن مسار العائلة المقدسة ليس مجرد مسار جغرافي، بل هو مسار تاريخي وروحي يعكس جانبًا غنيًا من التراث الديني والإنساني لهذه الأرض المباركة.
ولا ننسى الدور الروحي والوطني للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الحفاظ على هذا التراث وإحيائه، كما لا ننسى دور الدولة في تطوير مسار العائلة المقدسة وتهيئة البنية التحتية لاستقبال الزائرين والحجاج من مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي ينعكس إيجابيًا على الاقتصاد الوطني.
ونتمنى أن يكون الأول من يونيو عيدًا قوميًّا للبلاد، كما وصفه المجمع المقدس بأنه «يوم التراث القبطي العالمي».
نصلي أن يوجه الله أنظارنا وقلوبنا إلى قيم المحبة والرحمة والتعاون والتضامن والتكافل، فهي منظومة متكاملة من القيم الإنسانية والاجتماعية والروحية نستمدها من رحلة العائلة المقدسة في أرض مصر المباركة.
كل عام ومصر جميعها بخير، بصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني.


























