دكتــورة سماح بــاقـي ….تكــتب
هناك مدنٌ تُعرَف من مبانيها، ومدنٌ تُقرأ في كتب التاريخ، ومدنٌ يكفي أن تمشي في أحد شوارعها حتى تشعر أنك فتحت صفحةً من كتاب لم يُكتب بعد.
أما القاهرة… فحكايتها مختلفة.
فالقاهرة مدينة لا تجلس في مكانها؛ تتحرك مع خطوات العابرين، وتستيقظ مع أصوات الباعة، وتحتفظ في جدرانها بأصوات من مروا بها، ثم تفاجئك ذات مساء بأنها قررت أن تفتح نافذة جديدة للدهشة.
الفن يمشي جانبك في الشارع
ربما القارئ الآن قد جرب شعور أن يكون أمام لوحة ويشعر انها تحدثه ، أو موسيقى يشعر أنها صنعت من أجله ، أو استعرض راقي تثب الفرحة فيه ممن فرط الاندماج ، وفي شوارع القاهرة ظهر الفن في ليس باعتباره مجرد فعالية فنية في قلب القاهرة، وإنما باعتباره مشهدًا يقول إن الفن يمكن أن يخرج من إطاره التقليدي، وأن يترك القاعة المغلقة، ويصافح الناس في الطريق.
في شارعي الشريفين ومثلث البورصة ، ذلك الشارع ذو الطراز المعماري المتميز والرائحة التاريخية الخاصة، تتحول المساحة المفتوحة إلى مسرح، والرصيف إلى مقعد، والمارة إلى جمهور، والفنان من شخص ينتظر أن يأتي إليه الناس إلى مبدع يذهب هو إليهم.
هل آن للفن الحقيقي أن يصبح جزءًا من الحياة اليومية.
في ظل ما نشهده يوميا من انحدار في الأذواق تحت مسمى الفن ، تأتي المبادرة، التي تتعاون فيها محافظة القاهرة مع أكاديمية الفنون ووزارة الثقافة، لتقدم عروضًا موسيقية وفنية وورشًا للرسم والفنون التشكيلية وغيرها، مع استمرار الفعاليات بصورة دورية، لكن القاهرة لا تحتاج إلى أن تتعلم كيف تكون مدينة للفن.
القاهرة تعرف ذلك منذ زمن بعي، .ففي هذه المدينة، لم يكن الفن يومًا غريبًا عن الشارع.
هنا مرَّت الحكايات من أمام المقاهي، وخرجت الأغنيات من النوافذ، وتجاورت العمارة مع المسرح، والتقى الكاتب بالفنان، والتاجر بالمثقف، والطالب بالحالم.
القاهرة مدينة تتنفس الثقافة دون أن تشعر أنها تفعل ذلك
ولهذا فإن «شارع الفن» لا يبدو كأنه شيء أُضيف إلى القاهرة، بقدر ما يبدو كأنه شيء استُعيد إليها، وكأن المدينة القديمة كانت تقول: لقد احتفظت لكم بالمكان… فهاتوا الإبداع.
حين يتحول الشارع إلى منصة
الجميل في الفكرة أن الشارع هنا لا يصبح مجرد خلفية للفن، بل يصبح جزءًا من العمل الفني نفسه.
والجمهور لا يقف خلف باب ولا يحتاج تذكرة مرور، والفنان ليس فوق برج عاجي، والمسافة بينهما ليست أمتارًا من المقاعد.
إنها خطوة واحدة.
قد يتوقف طفل أمام رسام،وقد يسمع عابر لحنًا فيتوقف، وقد يكتشف شاب موهبة لم يكن يعرفها.
وقد يدخل شخص المكان مصادفة، ويخرج منه وهو يحمل ذكرى، وهنا يتحقق المعنى الحقيقي للفن العام
الفن يصل إلى الإنسان قبل أن يقرر الإنسان البحث عنه
أن أجمل ما يجعل التجربة أكبر من مجرد عرض فني؛ إنها إعادة تعريف للعلاقة بين المدينة والثقافة والإنسان.
القاهرة تعيد من جديد انتاج التاريخ
في مدن كثيرة، يصبح التراث شيئًا يُحفظ خلف الزجاج، أما القاهرة فلديها قدرة غريبة على أن تجعل الماضي يجلس إلى جوار الحاضر على المقهى نفسه.
هنا مبنى قديم يطل على شارع حديث، وهناك لحن تراثي بجوار موسيقى معاصرة.
وبجواري جلس فنان يرسم في الهواء الطلق أمام مبنى يحمل ذاكرة عقود طويلة.
قد تبدو مفارقة.لكنها طبيعة القاهرة نفسها
مدينة تتعامل مع الزمن كما لو كان شارعًا طويلًا؛ تستطيع أن تمشي فيه إلى الأمام، دون أن تنسى أن تلتفت خلفك،ومن هنا يصبح «شارع الفن» صورة رمزية للقاهرة التي نريد أن نراها.
مدينة ليست مضطرة للاختيار بين أصالتها وحداثتها، وإنما تجعل منهما حوارًا مفتوحًا
الفن.. وجمال القوة الناعمة
الأمر هنا يتجاوز حدود الثقافة، فالفن ليس ترفًا زائدًا على المدن، إنه أحد عناصر قوتها.
فالمدينة التي تجذب الفنان، تجذب الزائر، والمدينة التي تحتفي بالإبداع، تصنع بيئة أكثر جاذبية للمواهب.
والمدينة التي تجعل الثقافة جزءًا من فضائها العام، تستطيع أن تبني لنفسها صورة تتجاوز حدود الجغرافيا.
ولهذا فإن القاهرة حين تفتح شارعًا للفن، فإنها لا تفتح فقط مساحة للعروض.، إنها تفتح نافذة للقوة الناعمة.
السائح لا يتذكر الحجر وحده، بل يتذكر الصوتواللون، والحركة،والإنسان.
ويتذكر تلك اللحظة التي شعر فيها أن المدينة لم تكن مكانًا مزاراً، وإنما قصةً شارك فيها.
من شارع إلى فكرة
ولعل أجمل ما في التجربة أن «شارع الفن» يمكن ألا يبقى اسمًا لمكان ، بل يمكن أن يتحول إلى فكرة.
فكرة أن كل مساحة في المدينة يمكن أن تحمل قيمة ثقافية،أن الحدائق يمكن أن تستضيف الموسيقى، وأن الميادين يمكن أن تحتضن الإبداع، وأن المواهب الشابة لا ينبغي أن تظل تنتظر طويلًا على أبواب الفرص.
وهذا يتسق مع ما أعلنته محافظة القاهرة من توجه لتوسيع التجربة، ودعم المواهب، وربط النشاط الثقافي بالتنمية والوعي المجتمعي، ويصبح الشارع أكثر من مجرد طريق بين نقطتين، بل يصبح طريقًا بين الإنسان وموهبته
القاهرة لا تحتاج إلى أن تتحدث كثيرًا عن نفسها، يكفي أن تترك شوارعها تتحدث.
القاهرة ليست فنون في الشارع ….القاهرة شارع يتحول إلى فن
على الرغم من وجود مدن أوروبية عديدة، خرج الفن من قاعات العرض إلى قلب المدينة؛ ففي باريس مثلاً ارتبط حي مونمارتر تاريخيًا بالفنانين، ولا تزال ساحة «تيرتر» تحتفظ بمشهد الفنانين وهم يمارسون الرسم في الفضاء العام.
وفي برلين ذهبت الفكرة أبعد؛ فالجدران نفسها تحولت إلى لوحات ضخمة، حتى باتت المدينة تُقدَّم بوصفها معرضًا مفتوحًا في الهواء الطلق، وأصبحت الجداريات وفنون الشارع جزءًا من المشهد الحضري ومسارات الزيارة والسياحة.
لكن القاهرة تختلف ، فهي لا تدخل هذا المشهد كوافد جدي، .القاهرة لديها علاقة أقدم بفكرة أن الشارع يمكن أن يكون مسرحًا للحياة.
فالفرق أن الفن في القاهرة لا يأتي إلى شارع فارغ ليمنحه الحياة؛ بل يدخل إلى مدينة ممتلئة بالحياة أصلًافينسج خيطًا جديدًا داخل نسيجها.
نعم ، في باريس قد يجلس الرسام أمام لوحته في ساحة تاريخية، وفي برلين قد تتحدث الجدران بلغة الجداريات، لكن في القاهرة فإن المشهد يمكن أن يصبح أكثر اتساعًا، موسيقى، ورسم، وغناء، وفنون شعبية، وناس يمشون ويتوقفون ويتفاعلون… والمدينة نفسها جزء من العرض
إنها ليست مجرد فنون في الشارع وإنما كما أُطلق عليها وبحق( شارع الفــن)
وهذه ربما هي أجمل صورة يمكن أن تمنحها القاهرة للعالم ، أن المدينة لا تحتاج إلى أن تصمت كي تسمع الموسيقى، ولا إلى أن تدخل متحفًا كي ترى لوحة؛ أحيانًا يكفي أن تمشي
فالفن حين ينزل إلى الشارع، لا يفقد قيمته، بل يكتسب جمهورًا جديدًا.
والمدينة حين تفتح أبوابها للفن، لا تصبح أجمل فقط؛ تصبح أكثر قدرة على رواية نفسها
ومن هنا يمكن أن يكون «شارع الفن» أكثر من فعالية أو مساحة للعروض؛ يمكن أن يصبح لغة حضرية جديدة تقول إن الثقافة ليست مكانًا نذهب إليه… وإنما حياة نمشي داخلها.
وهنا تحديدًا تلتقي القاهرة مع مدن الفن في العالم، دون أن تفقد لهجتها الخاصة فلكل مدينة إيقاعها، والقاهرة حين يمشي الفن في شوارعها، يبدو كأنه يمشي على إيقاعها هي.
القاهرة لا تستعير من مدن العالم فكرة الفن في الشارع؛ إنها تعيد صياغة الفكرة بطريقتها المصرية.
القاهرة عاصمة مصر ..ومصر وطن لا نعيش فيه ولكنه وطن يعيش فينا.
والقاهرة اليوم …روح لفن يعيش فينا
وللحديث دوماً …بقية


























