دكتورة سماح باقي تكتب….
في آخر النهار، قد يجلس موظف خلف مكتبه ويضع توقيعه أسفل قرار جديد.
وربما في اللحظة نفسها، لا يعرف شخص في الطرف الآخر من المدينة أن هذا التوقيع سيغير شيئًا في حياته.
ربما هذا الشخص صاحب مصنع سيعيد حساباته.
مستثمر سيسأل عن جدوى مشروعه.
موظف سيجد نفسه أمام إجراء جديد.
ومواطن قد يكتشف، بعد أن يذهب إلى المصلحة، أن الجملة القصيرة التي قرأها في خبر الصباح لها ذيل طويل من الأوراق والمواعيد والانتظار.
هكذا تبدأ الحكايات الكبيرة أحيانًا من أشياء تبدو صغيرة.
*سطر في قانون.
توقيع على قرار.
إجراء جديد.*
ثم تكبر الدائرة.
فما يُكتب في مكان، قد يُدفع ثمنه في مكان آخر، وما يُدفع ثمنه اليوم قد يصنع نتيجة لا تظهر إلا بعد سنوات.
**لذا ، يصبح السؤال ،من يكتب القاعدة؟ ومن يدفع الثمن؟ ومن يصنع النتيجة؟**
في البداية… هناك من يمسك القلم
القانون لا يولد في الشارع، بل له لحظة ميلاد، وغالبًا ما تكون خلف أبواب مغلقة، بين أوراق ومذكرات واجتماعات ونقاشات طويلة حول كلمة قد تبدو عابرة، لكنها حين تدخل النص تصبح ملزمة للجميع.
كلمة واحدة يمكن أن توسع نطاق حق، أو تضيق نطاق التزام.
عبارة قد تفتح بابًا للاستثمار، وأخرى قد تضع أمامه بوابة من الشروط.
وهنا تكمن قوة القانون وخطورته معًا.
فالقانون لا يصف الواقع فقط؛ بل في كثير من الأحيان *يحاول أن يعيد تشكيله*.
يقول للناس: تحركوا من هنا، ولا تذهبوا إلى هناك.
ويقول للمستثمر: هذا الطريق مفتوح، ولكن بهذه الشروط.
ويقول للإدارة: هذه سلطتك، وهذه حدودها.
ولهذا فإن السؤال عن القانون لا يتعلق فقط بمدى صحة النص ؟
بل بأي حياة سيصنعها هذا النص؟
فالتشريع الجيد لا يُقاس بجمال عباراته وحده، وإنما بقدرته على الوصول إلى الغرض الذي وُضع من أجله، بوضوح واتساق وتكلفة يمكن تبريرها.
ثم يطرق الاقتصاد الباب
بعد أن ينتهي المشرّع من كتابة القاعدة، تبدأ الأرقام في الحديث.
لا أحد يسمعها في قاعة التشريع، لكنها تظهر لاحقًا.
كم سيكلف تنفيذ القاعدة؟كم سيحتاج المشروع حتى يبدأ؟من يستطيع تحمل التكلفة؟
ومن سيخرج من السوق لأنه لم يعد قادرًا على تحملها؟
قد لا يرفع القانون سعر سلعة بيده، لكنه قد يضيف إليها طبقات من التكلفة.
وقد لا يمنع مشروعًا من البداية، لكنه قد يجعل صاحبه يعيد التفكير في جدواه.
وقد لا يقول للمستثمر (لا تأتي)، لكنه قد يرسل إليه عشرات الإشارات الصغيرة التي تجعله يتساءل: *هل يستحق الأمر؟*
وهنا يصبح الاقتصاد أشبه بشخص يقف خلف الستار، يحسب ما لا يظهر في النص.
فحين يقول القانون أن *هذا هو المسموح.*
يسال الاقتصاد * كم سيكلفنا الوصول إليه؟
والفارق بين السؤالين قد يكون هو الفارق بين مشروع يُولد ومشروع يبقى فكرة على الورق.
أما الإدارة… فلديها امتحان مختلف
حين يصل القرار إلى المكان الذي لا تنفع فيه البلاغة كثيرًا.
إلى المكتب…….
إلى الشباك……
إلى المنصة الإلكترونية…….
إلى الموظف الذي عليه أن يترجم النص إلى إجراء……
هنا يسقط القرار من عالم الكلمات إلى عالم التفاصيل.
مستند ناقص،وتوقيع مطلوب.
جهة أخرى يجب الرجوع إليها.
نظام إلكتروني لا يعمل.
أو موظف يحاول أن يفهم نصًا يحتمل أكثر من تفسير.
وهذا في مجملها ما يضعنا أمام فكرة أن الدولة لا تُختبر فقط في قدرتها على إصدار القوانين، وإنما في قدرتها على تنفيذها.
فالمواطن لا يعيش داخل المادة القانونية؛ هو يعيش داخل (رحلة الحصول على الحق)
قد يكون الحق واضحًا، لكن الطريق إليه طويل.
وقد يكون القرار ممتازًا، لكن تنفيذه مرتبك.
وقد تكون النية هي التيسير، بينما تنتج الإجراءات مزيدًا من التعقيد.
ولهذا فإن التنفيذ ليس مرحلة ثانوية تأتي بعد صناعة السياسة؛ إنه جزء من تأثيرها نفسه.
وتؤكد دراسات الحوكمة أن الفارق بين السياسة المقصودة وأثرها الفعلي قد يرتبط بالتشريع، وبالإدارة التي تنفذه، وبكيفية ترجمة القرار إلى ممارسة على الأرض.
مثلث التأثير والقوة ….. التكامل وليس التنافس
نفترض أن هناك ثلاثة أشخاص يقفون أمام الباب نفسه.
الأول يحمل القانون.
الثاني يحمل دفتر الحسابات.
والثالث يحمل مفاتيح التنفيذ.
إذا لم يتفق الثلاثة على الطريق، فلن يصل أحد إلى النتيجة التي يريدها.
يمكن أن يكون القانون عظيمًا، لكن الإدارة لا تملك الأدوات.
ويمكن أن يكون الحافز الاقتصادي مغريًا، لكن القواعد غير مستقرة.
ويمكن أن تكون الإدارة شديدة الكفاءة، لكنها تعمل داخل منظومة قانونية تجعل حركتها محدودة.
المشكلة إذن ليست دائمًا في أحد الأضلاع منفردًا، المشكلة قد تكون في المسافة بينهم.
وهذه المسافة الصغيرة بين القانون والاقتصاد والإدارة قد تتسع لتصبح سنوات من التأخير، أو تكلفة إضافية، أو استثمارًا لم يأتِ، أو خدمة لم تصل في موعدها.
ومن يدفع الثمن؟
السؤال على بساطته إجابته ليست كذلك.
لأن من يدفع الثمن ليس بالضرورة هو من اتخذ القرار.
قد يُكتب القرار في مكتب، بينما تُدفع تكلفته في محل صغير.
قد تتغير قاعدة في قطاع ما، فيدفع المستهلك جزءًا من أثرها دون أن يعرف أصلًا من أين جاء.
وقد تتعقد إجراءات الاستثمار، فيتحمل المستثمر التكلفة أولًا، ثم تنتقل أجزاء منها إلى العامل والسوق والمستهلك.
وقد تتراكم دقائق التأخير على مكتب حكومي حتى تتحول إلى أيام، ثم تتحول الأيام إلى تكلفة اقتصادية لا تظهر في أي فاتورة.
فحين يصبح الوقت مالًا، يصبح التعقيد تكلفة، ويصبح الوضوح التشريعي قيمة اقتصادية.
وهذه هي النقطة التي كثيرًا ما تضيع وسط الحديث عن القرار نفسه: أن آثار القرارات لا تتوقف عند حدود الجهة التي أصدرتها.
النتيجة لا يصنعها القانون وحده.
فالنتيجة تحتاج إلى مؤسسة، وتحتاج إلى موظف يعرف ماذا يفعل.
وتحتاج إلى نظام يستطيع أن يستوعب القاعدة، وتحتاج إلى زمن معقول.
وتحتاج، قبل ذلك كله، إلى أن تكون هناك قدرة على النظر إلى ما يحدث بعد التنفيذ، لا الاكتفاء بالاحتفال بصدور القرار.
فالسياسة العامة لا تُقاس فقط بلحظة إعلانها.
بل تقاس بما تركته وراءها.
هل حصل المواطن على ما كان يفترض أن يحصل عليه؟
ثلاثة أضلاع… ونتيجة واحدة
بعض قراءتك ، عزيزي القارئ ، لهذا المقال تأكد أن القرار الذي قرأناه صباحًا في بضعة أسطر لم يعد مجرد قرار.
أصبح رحلة تبدأ من النص إلى التكلفة.
ومن التكلفة إلى السلوك.
ومن السلوك إلى النتيجة.
وهنا يظهر …مثلث التأثير
و لا ضلع يستطيع أن يعيش وحده.
فالقاعدة بلا تنفيذ تبقى حبرًا.
والحافز الاقتصادي بلا إطار واضح قد يتحول إلى مخاطرة.
والإدارة بلا رؤية قانونية واقتصادية قد تتحول إلى مجرد آلة لإنجاز الإجراءات.
أما حين تلتقي الأضلاع الثلاثة، يبدأ القرار في اكتساب شيء أهم من السلطة:
*يكتسب القدرة على صناعة أثر.*
وربما لهذا، عندما نقرأ أي قرار جديد، لا ينبغي أن نتوقف عند
السؤال: (ماذا قرروا؟)
الأجدر أن نسأل: الأسئلة الثلاثة…
التي تكتب حكاية التأثير.
وللحديث دائما بقية ………



























