دكتورة سماح باقي تكتب …..
من المصنع إلى السوق بمنظور البنك الدولي
في الاقتصاد عادة ، تبدو لحظة قص الشريط هي اللحظة الاكثر بهجة ، فهي تعلن افتتاح مصنع جديد، وبدء عمل الآلات، ودخول استثمارات جديدة إلى السوق ، فهي تتجلى شديدة الوضوح أمام الكاميرات.
لكن هذا لا يمكن أن يشكل المشهد الاقتصادي كاملاً، فالاقتصاد الحقيقي لا يبدأ فقط عند قص الشريط.
الفهم الأعمق للاقتصاد يأتي بعد ذلك، حين نقف لنتساءل هل يستطيع هذا المصنع أن يستمر؟
ومدى قدرته على التنافسية ، وكيف يمكن أن يحصل على التراخيص والخدمات؟
وهل يستطيع أن يصل بمنتجه إلى السوق المحلية والعالمية دون أن تستهلك الإجراءات جزءًا من قدرته على المنافسة؟
وفي مشهد يسعد المصريين جميعاً، وأنا منهم بطبيعة الحال، في السادس من سبتمبر الجاري، شهدت منطقة قناة السويس الاقتصادية افتتاح 9 مشروعات صناعية بقيمة 84.5 مليون دولار، مع توقعات بتوفير نحو 2000 فرصة عمل، في قطاعات متعددة من مواد البناء والمنسوجات والكيماويات إلى المعدات الطبية والهندسية.، كما أشارت المنطقة إلى تعاقدها خلال العام المالي 2025/2026 على 117 مشروعًا بقيمة 7.26 مليار دولار، مع توقعات بنحو 73.5 ألف فرصة عمل مباشرة عند اكتمالها.
ورغم أهمية هذه الأرقام، ورغم سعادتي بالمشهد ، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم.
وهو ما مدى جاهزية البيئة التي سيعمل داخلها هذا الاستثمار؟
فالاستثمار لا ينتهي عند باب المصنع!!!
.يمكن أن يحصل المستثمر على الأرض، ويبني المصنع، ويشتري خطوط الإنتاج، ثم يكتشف أن الطريق إلى التشغيل الكامل أطول مما توقع.
المشكلة قد تكون في ترخيص، أو مرفق، أو إجراء جمركي، أو خدمة حكومية، أو قاعدة تنظيمية غير واضحة، أو طول المدة اللازمة للحصول على قرار.
لكن كل مرة يتأخر فيها إجراء، هناك تكلفة جديدة يتحملها النشاط الاقتصادي.
فالوقت الذي ينتظر فيه المصنع ليس وقتًا محايدًا؛ إنه قد يعني رأس مالًا متوقفًا، وعمالة تنتظر، وإيرادات مؤجلة، وعقدًا تصديريًا قد يتأخر تنفيذه.
ومن هنا يصبح تحسين بيئة الأعمال مسألة اقتصادية، لا إدارية فقط.
وربما لهذا السبب تحديدًا، جاءت فكرةBusiness Ready– B-READY التي طورها البنك الدولي لتحل محل مؤشر Doing Business السابق، بعد توقفه في 2021.
لكن اللافت في B-READY أنه لا يسأل فقط عن وجود قوانين جيدة؟
بل ينظر إلى ثلاث حلقات مترابطة:
– جودة الإطار التنظيمي.
– جودة الخدمات العامة
– ومدى كفاءة تطبيق هذه القواعد والخدمات عمليًا.
إذا ، وعلى ذات النهج فالقانون الجيد لا يكفي، إذ قد يكون لدينا قانون ينظم النشاط، ولائحة تحدد الإجراءات، وهيئة مسؤولة عن تقديم الخدمة.
لكن حدثني عما يحدث عندما يدخل المستثمر إلى الواقع
هل يعرف المطلوب منه بوضوح؟،هل يستطيع تقديم الطلب إلكترونيًا؟،هل تتبادل الجهات البيانات بدلًا من مطالبة المستثمر بتقديم المستند نفسه أكثر من مرة؟،كم يستغرق الإجراء؟، وهل تختلف التجربة من مكان إلى آخر؟
هذه الأسئلة تعكس المسافة بين ما يقوله النص وما يحدث في الواقع هي واحدة من أهم المناطق التي يحاول B-READY إظهارها.
والبنك الدولي يقسم القياس إلى موضوعات تمتد عبر دورة حياة النشاط الاقتصادي، من دخول الأعمال وموقعها والمرافق، إلى العمالة والخدمات المالية والتجارة والضرائب وتسوية المنازعات والمنافسة والإعسار.
ولم يعد كل ما يعنينا أن نكون قد جذبنا المستثمرين بقدر ما عينيا أن نكون صممنا البيئة التي تمكنه من العمل والنمو.
والحقيقة أن مصر نفسها بدأت تتعامل مع المسألة باعتبارها إصلاحًا مؤسسيًا
والحديث ليس عن مؤشر دولي بعيد عن الواقع المصري.
ففي أغسطس 2025، أعلنت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية أن مصر تستهدف تحسين موقعها في تقرير B-READY، وأن اللجنة الوطنية المعنية بالتقرير أعدت (مصفوفة إصلاح تضم 209 إجراءات) تشمل الإطار التشريعي، وجودة الخدمات الرقمية، وشفافية البيانات، والكفاءة التشغيلية.
وهذا تعني أن تحسين بيئة الأعمال لا يُفترض أن يكون مجرد محاولة للحصول على ترتيب أفضل في تقرير دولي.
المؤشر هنا يمكن أن يصبح أداة لاكتشاف أين تتعطل رحلة المستثمر.
فإذا كان المصنع موجودًا، لكن إجراءات الحصول على خدمة معينة تستغرق وقتًا طويلًا، فالمشكلة ليست في المصنع.
وإذا كانت القاعدة القانونية واضحة، لكن الخدمة التي تطبقها غير فعالة، فالمشكلة ليست بالضرورة في التشريع.
وإذا كانت الخدمة إلكترونية، لكن المستثمر مضطر في النهاية إلى زيارة أكثر من جهة لاستكمالها، فنحن أمام (رقمنة للإجراء، لا بالضرورة تحول رقمي حقيقي.)
منطقة العين السخنة …….نظام صناعي قادر على المنافسة
يوجد بالمنطقة الصناعية بالسخنة أكثر من 240 مشروعًا قائمًا ويعمل بالفعل، وأكثر من 30 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، كما تتمتع باتصال بالموانئ والطرق وشبكات المرافق.
و هذه ليست مجرد أرقام استثمارية، إنها محاولة لبناء منظومة تجعل المصنع قريبًا من الميناء، والطاقة، والمياه، والطرق، والأسواق.
وهذا هو الفارق بين أن يكون لديك مصنع داخل منطقة صناعية، وأن يكون لديك نظام صناعي قادر على المنافسة.
فالمنتج لا يولد في المصنع فقط، المنتج رحلته تبدأ من الأرض والتراخيص والمرافق، ثم الإنتاج، ثم النقل، ثم الجمارك، ثم السوق، وربما التصدير.
وكل حلقة من هذه السلسلة لها تكلفة ترتبط ارتباط عكسي مع نمو قدرة المشروع ، فكلما انخفضت الاحتكاكات غير الضرورية بينها، ارتفعت قدرة المشروع على المنافسة.
لذلك في رأيي أنه لا يكفي أن نقيس حجم الاستثمار، ولكن كم قيمة اقتصادية حقيقية تولدت عن هذا الاستثمار؟
حجم الاستثمار ربما يقيس الأموال الداخلة، أما القيمة الاقتصادية ترتبط بالإنتاج، والصادرات، والوظائف، ونقل التكنولوجيا، ونسبة المكون المحلي، وسلاسل التوريد التي نشأت حول المشروع.
ولهذا فإن المصنع الذي يحصل على الأرض ثم يتعثر سنوات قبل التشغيل ليس مساويًا اقتصاديًا لمصنع دخل الإنتاج وبدأ التصدير.
وكذلك المصنع الذي يعمل، لكنه يعتمد بصورة شبه كاملة على مدخلات مستوردة، ليس له الأثر نفسه لمصنع استطاع بناء شبكة من الموردين المحليين.
الاستثمار ليس لحظة دخول رأس المال؛ بل رحلة تحول رأس المال إلى قيمة مضافة.
دور الإدارة الاقتصادية ….رمانة الميزان
الإدارة الاقتصادية الحديثة لا ينبغي أن تنتظر حتى يتعثر المشروع ثم تبحث عن سبب التعثر، الأفضل من ذلك أن تعرف مسبقًاأين تتوقف الطلبات؟
هذه البيانات يمكن أن تتحول من مجرد سجلات إدارية إلى أدوات لصناعة القرار الاقتصادي.
وهنا تحديدا يلتقي ما تحدثنا عنه في مقالنا السابق عن المراكز التكنولوجية مع موضوع اليوم
بيانات الخدمة ليست مجرد بيانات إدارية.
البيانات إذا جرى تحليلها بصورة صحيحة، يمكن أن تكشف أين ترتفع تكلفة التعامل مع الجهاز الإداري، وأين تحتاج القاعدة إلى تبسيط، وأين تحتاج الخدمة إلى إعادة تصميم.
و لكن هناك بشرط مهم وهو ألا نخلط بين جمع البيانات واستخدامها.
البيانات تصبح قيمة اقتصادية عندما تتحول إلى معرفة، والمعرفة تصبح قيمة إدارية عندما تتحول إلى قرار.
والمستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز
ربما تجذب الحوافز مشروعًا إلى بلد ما، لكن ما يجعل المشروع يستمر هو قدرة البيئة على العمل بكفاءة.
فالمستثمر الذي يحصل على حافز ضريبي، قد يخسر جزءًا من أثره بسبب التأخير أو ارتفاع تكلفة الإجراءات أو عدم وضوح المتطلبات.
ولهذا فإن خفض تكلفة ممارسة الأعمال قد يكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من إضافة حافز جديد.
وهنا تحديدًا تصبح إصلاحات القوانين والخدمات والرقمنة وتنسيق الجهات جزءًا من السياسة الاستثمارية نفسها، لا مجرد إصلاح إداري منفصل.
من المصنع إلى السوق
المشهد المصري الحالي يقدم فرصة حقيقية.
ففي منطقة قناة السويس الاقتصادية تتوالى مشروعات جديدة، كما تتوسع الصناعات المستهدفة، وتتحرك مصر نحو جذب استثمارات مرتبطة بالصناعة والتصدير وسلاسل الإمداد.
لكن نجاح هذه المرحلة لن يُقاس فقط بعدد المصانع التي تدخل الخدمة،ولكن بما ذكرناه سابق
عند هذه النقطة فقط ننتقل من اقتصاد افتتاح المشروعات إلى اقتصاد نتائج المشروعات.
والمفارقة أن البنك الدولي يطرح علينا السؤال نفسه
B-READY لايقدم وصفة جاهزة لمصر، ولا ينبغي أن نتعامل معه باعتباره حكمًا نهائيًا على الاقتصاد المصري.
لكنه يقدم طريقة مختلفة للنظر إلى بيئة الأعمال، وهي العلاقة بين القاعدة، والخدمة، والتطبيق، والنتيجة.
وهذه ربما هي النقطة التي تحتاجها رحلة الاستثمار في مصر الآن أكثر من أي وقت مضى.
فبعد أن نجحنا في جذب مشروعات جديدة، يصبح التحدي التالي هو أن نجعل البيئة المحيطة بها أسرع، أوضح، وأكثر قابلية للتنبؤ.
لأن المستثمر لا يحتاج فقط إلى أن يعرف ماذا سيحصل علي، بل يحتاج أيضًا إلى أن يعرف ماذا سيحدث له عندما يبدأ العمل.
في النهاية…
المصنع الذي يُفتتح خبر اقتصادي.
أما المصنع الذي يستمر في الإنتاج، ويتوسع، ويصدر، ويخلق وظائف، ويجذب حوله موردين مصريين، فهو نتيجة اقتصادية.
يتحول معها جاهزية الأعمال من ترتيب في تقرير دولي إلى معيار عملي لجودة الاقتصاد نفسه.
وللحديث بقية ……



























