هل يمكن للمراكز التكنولوجية أن تصبح أداة لصناعة اقتصاد أكثر كفاءة؟
بقلم: دكتورة / سماح باقي
عندما نتحدث عن المركز التكنولوجي لخدمة المواطنين، تتجه الصورة عادة إلى شباك حكومي أكثر تنظيمًا، وموظف أنيق يقدم الخدمة، ومواطن ينتظر إنهاء معاملته في وقت أقل..
لكن ربما تنتاب الدهشة بعض القراء إذا قلنا أن هذا المشهد الصغير قد يحمل دلالة اقتصادية أكبر بكثير مما نتصور؟
فطلب استخراج رخصة لمحل، أو تصريح بناء، أو إنهاء إجراء إداري، ليس مجرد (معاملة) تُغلق في النظام، وإنما هي معلومة تكشف شيئًا عن حركة المجتمع والاقتصاد داخل المدينة
فالزاوية تتغير عندما لا يعود المركز التكنولوجي مجرد مكان للحصول على الخدمة، وإنما يمكن أن يصبح نقطة تلتقي عندها حركة المواطن مع حركة الإدارة وحركة السوق.
والسؤاال عن مدى استطاعتنا الانتقال من قياس رضا المواطن عن الخدمة إلى قراءة البيانات الناتجة عن هذه الخدمة ، واستخدامها في فهم الاقتصاد المحلي وصناعة القرار
المواطن لا يترك طلبًا فقط… بل يترك إشارة
فعندما يتقدم مواطن للحصول على ترخيص لنشاط تجاري، فهو في نظر الإدارة (طالب خدمة)
لكن في القراءة الاقتصادية، هو أيضًا إشارة إلى نشاط اقتصادي محتمل
ولا غرابة في ذلك إذاعلمنا أن ارتفاع طلبات الترخيص لنوع معين من الأنشطة في منطقة ما، قد يكون مؤشرًا على تغير في الطلب أو ظهور فرصة استثمارية أو تحول في طبيعة المنطقة.
وعندما تتكرر طلبات معينة في حي أو مركز دون غيره، فإن البيانات هنا لا تخبرنا فقط بما يريده المواطن من الحكومة، وإنما قد تخبرنا بما يحدث في المجتمع نفسه من حراك اقتصادي .
من بيانات الخدمة…… إلى قراءة السوق
الحقيقة أن قراءة هذا الأمر ليست بالسهولة الفائقة ، فالبيانات لا تصبح مؤشرًا اقتصاديًا لمجرد وجودها في قاعدة معلومات؛ وإنما تحتاج إلى تصنيف وربط وتحليل ومقارنة زمنية ومكانية، ثم تحويل نتائجها إلى قرارات، وهو أمر يستلزم بطبيعة الحال تطبيق عميق لمفاهيم الإدارة الحديثة، حيث نتحول من كم الإنجاز إلى فهم ما تقوله البيانات؟
ومن الطبيعي أن تقيس الإدارة عدد الطلبات التي تم إنجازها، ومتوسط زمن الخدمة، ونسب التأخير أو التظلمات ورضا المتعاملين..
وهذه مؤشرات مهمة بالفعل، ولعل ذلك ما جعل وزارة التنمية المحلية تتابع مؤشرات أداء الخدمات بالمراكز التكنولوجية بهدف تطوير سرعة وكفاءة تقديمها.(1)
لكن الأمر في هذا المقال يختلف لكونه يركز على ماهية نوع الخدمات المطلوبة ، وأين تتركز؟ ،كيف تغيرت خلال عام؟
وما العلاقة بين زيادة الطلب على خدمة معينة وبين النشاط الاقتصادي في المنطقة
هنا يتحول المركز التكنولوجي من جهاز مهمته قياس كفاءة الإدارة إلى أداة يمكن أن تساعد في قراءة التغير الاقتصادي المحلي.
القانون ليس خلفية للمشهد… بل أحد محركاته
قد يبدو الربط بين المركز التكنولوجي والقانون أمرًا بديهيًا؛ فمعظم الخدمات تستند في النهاية إلى قانون أو لائحة أو قرار، لكن الأهم هو أن المركز التكنولوجي يمثل المكان الذي ينتقل فيه النص القانوني من الورق إلى الواقع.
فعلى سبيل المثال ، في منظومة تراخيص المحال العامة ، أنشأ قانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019 مراكز لإصدار تراخيص المحال العامة بالوحدات المحلية وأجهزة المدن، وجعل منها نقطة تنظيمية تتعامل مع إجراءات الترخيص والاشتراطات ذات الصلة، كما ربط القانون المركز المختص بإبلاغ مصلحة الضرائب والتأمينات بالمحال المرخصة.
وهنا تظهر وظيفة تتجاوز إنهاء الورق.
إذاً الوظيفة هنا تتجاوز نهاء الورق ، فالترخيص هو اللحظة التي ينتقل فيها النشاط من مجرد فكرة أو ممارسة غير منظمة إلى نشاط معترف به داخل الإطار الرسمي.
وهذا هو بيت القصيد فهذه النقطة لها أثر اقتصادي مباشر، يجعل الترخيص ليس إجراءً إداريًا فقط
فبافتراض أن شخصًا يريد افتتاح مح، إذاً .كل يوم إضافي يقضيه في انتظار استكمال الإجراءات يعني تأخرًا في بدء النشاط، وتأخرًا في التشغيل، وتأخرًا في الإيرادات، وربما تكلفة إضافية للإيجار والعمالة والتجهيزات.
ومن ثم ، عندما تعمل الإدارة على تقليل زمن الإجراء وتبسيط مساره، فهي لا تقدم خدمة أفضل للمواطن فقط.
بل تخفض جزءًا من تكلفة ممارسة النشاط الاقتصادي، وهنا يصبح تطوير المراكز التكنولوجية جزءًا من بيئة الأعمال.
وربما بهذا السبب تتجه الدولة حاليًا إلى رقمنة خدمات مثل تراخيص المحال عبر منصة مصر الرقمية، مع متابعة تشغيل الخدمة ميدانيًا والعمل على تحسين جودة الخدمات الرقمية.
والفكرة الاقتصادية هنا على بساطتها لكنهاتحمل عمق أكبر كلما انخفضت تكلفة الإجراءات القانونية والإدارية، وأصبح بدء النشاط الاقتصادي أكثر سهولة.
هل تكفي الرقمنة وحدها ؟
من الأخطاء الشائعة أن كل إجراء إلكتروني بالضرورة إجراءً ذكيًا في حين أن الأمر ليس كذلك. .
فإذا أخذنا إجراءً معقدًا كما هو، ثم نقلناه من الورق إلى شاشة الكمبيوتر، فنحن لم نلغِ البيروقراطية؛ لقد رقمنّاها
إذاًالتحول الحقيقي يجب أن يبدأ قبل التكنولوجيا، من هندسة الإجراءات إلى وضع أولويات المطلوب من المواطن وما إذا كان يمكن تبادل البيانات بين الجهات بدلًا من مطالبة المواطن بتقديمها مرة أخرى.
وهذا ما يجعل الإصلاح الإداري والقانوني سابقًا على الرقمنة.، فالتكنولوجيا تستطيع أن تسرّع الإجراء الجيد، لكنها تستطيع أيضًا أن تسرّع الإجراء السيئ
المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم السوق …بل ينظر إلى درجة اليقين.
يحتاج المستثمر دائماً معرفة متى يبدأ نشاطه؟ وما المتطلبات؟ وكم تستغرق الإجراءات؟
وما الرسوم؟وما الجهة المسؤولة؟وما الذي يحدث إذا تعطل الطلب؟
لهذا فإن مراكز خدمات المستثمرين أصبحت جزءًا من جهود تحسين بيئة الاستثمار، مع التوسع في التحول الرقمي وربط الخدمات وتبسيط الإجراءات بهدف تقليل زمن إنجاز المعاملات.
والعلاقة بين الإدارة والاقتصاد تتشابك بصورة أكثر وضوحًا، إذا ما نظرنا لها من زاوية أن الإدارة لا تنتج السلعة، لكنها تستطيع أن تؤثر في تكلفة إنتاجها
وقد لا تبني الدولة مصنعًا من خلال المركز التكنولوجي، لكنها تستطيع أن تجعل الطريق القانوني والإداري إلى تشغيل المصنع أقصر وأكثر وضوحًا، وهذا في حد ذاته قيمة اقتصادية.
هل يمكن أن تصبح المراكز التكنولوجية مستشعراً للاقتصاد لمحلي؟
المركز التكنولوجي يتعامل يوميًا مع كم هائل من الطلبات والمعاملات، ماذل لو جرى تحليل هذه البيانات بصورة مؤسسية سليمة، يمكن أن نكتشف أنماطًا لا تظهر بسهولة من خلال التقارير التقليدية.
فارتفاع طلبات تراخيص نشاط معين قد يشير إلى فرصة، وانخفاضها قد يستحق البحث.
وتركز نشاط معين في منطقة قد يحتاج إلى بنية أساسية أو خدمات مساندة، وتكرار الشكوى من إجراء معين قد يكشف مشكلة في تصميم الخدمة أو في فهم المتعاملين للقواعد.
وزيادة زمن إنجاز خدمة محددة قد تكشف نقطة اختناق داخل الجهاز الإداري.
وهكذا تتحول البيانات من سجل لما حدثإلى أداة تساعد في فهم لماذا حدث؟
وننتقل من الإدارة التي تستجيب للمشكلة بعد وقوعها إلى إدارة تستطيع اكتشاف الاتجاهات مبكرًا.
ال\غطار القانوني لجمع البيانات
يجب ألا ينسينا الطموح في استخدام البيانات أن يتحرك ذلك داخل الإطار القانوني لحماية البيانات والخصوصية، وألا يتحول جمع المعلومات عن المواطنين إلى استخدام مفتوح بلا ضوابط.
فالذكاء الإداري لا يعني جمع كل شيء لمجرد أن التكنولوجيا تستطيع جمعه.
بل المطلوب هو معرفة ما البيانات التي تحتاجها الدولة؟ولأي غرض؟ومن يملك حق الوصول إليها؟وكيفية استخدامها؟
لأن الاقتصاد الرقمي الأكثر كفاءة ليس هو الذي يجمع أكبر كمية من البيانات، وإنما الذي يستطيع تحويل البيانات المشروعة والضرورية إلى معرفة وقرار دون إهدار حقوق أصحابها
المواطن ليس مجرد متلقي خدمة
المواطن الذي يدخل المركز التكنولوجي للحصول على خدمة يترك خلفه، بصورة نظامية، مجموعة من المؤشرات المتعلقة بحركة الخدمات في منطقته.
والإدارة التي تنظر إلى هذه البيانات باعتبارها مجرد أرقام تشغيلية ستعرف كم معاملة أنجزت.
أما الإدارة التي تحللها جيدًا، فقد تعرف شيئًا عن اتجاهات المجتمع والاقتصاد المحلي
وهذا يغير مفهوم المركز التكنولوجي نفسه، فبدلاً من الاعتماد على فكرة عدد الطلبات التي تم تلقيها من المواطن ننتقل لفكرة ماذا تعلمنا من المواطنين الذين خدمناهم اليوم؟
من قياس الرضا إلى مؤشرات السوق
ربما يكون رضا المواطن هو البداية الصحيحة، لكنه ليس النهاية،فأن يكون المواطن راضيًا عن سرعة استخراج الترخيص أمر مهم.
لكن الأهم اقتصاديًا أن نعرف ماذا حدث بعد الترخيص؟هل بدأ النشاط؟وهل خلق وظائف؟هل دخل إلى الاقتصاد الرسمي؟وهل أصبح له أثر في الإيرادات المحلية؟هل أدى إلى ظهور أنشطة مرتبطة به؟
وهو الأمر الذي ينقل العمل المحلي من قياس جودة الخدمة إلى عمق مفهوم قياس أثر الخدمة
وهذا هو الفارق بين إدارة تسأل: هل أدينا مهمتنا؟، وإدارة تسأل: ماذا أنتجت مهمتنا؟
الاقتصاد الأكثر كفاءة يبدأ أحيانًا من مكان لا نتوقعه
قد نتحدث طويلًا عن الاستثمار والإنتاج والأسواق والتمويل، وننسى أن جزءًا من كفاءة الاقتصاد يبدأ من تفاصيل تبدو صغيرة جدًا.
يبدأ من نموذج أسهل،وربما إجراء أوضح، وبيانات أدق، و جهة واحدة بدل جهات متعددة،
قرار أسرع،وقاعدة قانونية يمكن فهمها وتطبيقها.
هذه التفاصيل الإدارية لا تظهر عادة في مؤشرات البورصة، لكنها تظهر في تكلفة النشاط وفي سرعة دخوله إلى السوق.
ومن هنا يمكن للمركز التكنولوجي أن يتحول من مجرد واجهة للخدمة إلى حلقة وصل بين القانون والإدارة والاقتصاد.
وإذا سالنا كيف يتم هذا ؟ نجد أن القانون يضع القاعدة،والإدارة تحولها إلى إجراء،
والتكنولوجيا تختصر مساره،والبيانات تكشف نتائجه،والاقتصاد يعكس أثره.
المستقبل في أن تصبح أكثر قدرة على التعلم من المعاملات
لابد للإدارة أن تعرف من بياناتها أين يتحرك النشاط، وأين يتعثر، وأين تظهر فرصة، وأين يحتاج القانون أو الإجراء إلى إعادة نظر، فإذا أحسنّا إدارة بياناته وربطها بمؤشرات الاقتصاد المحلي، أصبح أحد الأدوات التي تساعد الدولة على قراءة السوق قبل أن تتخذ القرار
والسؤال الرئيسي الذي يدور حوله المقال هو هل يمكن للمراكز التكنولوجية أن تصنع اقتصادًا أكثر كفاءة؟
والإجابة أنها ربما لا تصنعه وحدها، لكنها بكل تأكيد تستطيع أن تكون جزءًا مهمًا من منظومة تجعله أكثر كفاءة؛ حين تنتقل من مجرد تقديم الخدمة إلى إنتاج المعرفة التي تساعد على تحسينها، وحين يتحول رضا المواطن من رقم في نهاية المعاملة إلى إشارة ضمن صورة أكبر لحركة الاقتصاد…هنالك يعكس رضا المواطن أداء السوق
وللحديث دائماً بقية ……..
مصادر مشار إليها بالمقال



























