بقلم القس / بولا فؤاد رياض
كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة
تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعيد الصليب المجيد مرتين في السنة.
المرة الأولى في ١٧ من شهر توت، وتستمر الاحتفالات لمدة ثلاثة أيام، من ١٧ إلى ١٩ توت، ونحتفل فيها بتذكار تكريس كنيسة القيامة بأورشليم، والطواف بالصليب المقدس، وإقامة الصلوات والقداسات.
كما يرتبط هذا العيد بتذكار ظهور علامة الصليب المجيد للإمبراطور قسطنطين الكبير، سنة ٣١٢م، أثناء توجهه لمحاربة الطاغية مكسنتيوس بن مكسيميانوس.
فقد رأى قسطنطين، في أثناء الظهيرة، وهو في طريقه ومعه ضباطه وجنوده، علامة الصليب المجيد في السماء، من نور عظيم أبهى من نور الشمس، ومعها كلمات تشير إلى الانتصار بقوة الصليب. وكان لهذا الظهور أثر عظيم في نفسه، إذ ارتبط الصليب في قلبه بالإيمان والانتصار، وكان ذلك من الأحداث المهمة التي سبقت إعلانه قبول الإيمان المسيحي.
أما الاحتفال الثاني بعيد الصليب فيكون في ١٠ برمهات، ونحتفل فيه بتذكار اكتشاف الصليب المجيد على يد الملكة هيلانة، أم الإمبراطور قسطنطين الكبير، التي بحثت عن الصليب المقدس حتى وجدته في أورشليم.
ويأتي عيد الصليب في ١٠ برمهات غالبًا خلال فترة الصوم الكبير، ولذلك تحتفل الكنيسة بعيد الصليب أيضًا في ١٧ توت، مع تذكار تكريس كنيسة القيامة بأورشليم في ١٦ توت، ثم الطواف بالصليب وإقامة الصلوات والقداسات في ١٧ توت، وهو الموافق ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦.
الصليب
١- الصليب هو قوة وسط الضعف:
حين تظن أن النهاية قد اقتربت، نتذكر أن المسيح حمل الصليب ليحوّل الألم إلى مجد، والوجع إلى خلاص، والضعف إلى قوة.
فالصليب يعلن لنا أن الألم ليس نهاية الطريق، وأن وراء الجلجثة قيامة، ووراء الصليب مجدًا.
٢- الصليب هو حب بلا حدود:
فالصليب ليس مجرد خشبة، بل هو إعلان عن حب إلهي عظيم، لأن يسوع مات وبذل نفسه من أجلنا، واحتمل العار والآلام لكي يمنحنا حياة جديدة.
«لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ»
(يوحنا ١٥: ١٣).
فعلى الصليب أعلن المسيح محبته للبشرية، وبذل ذاته لأجل خلاصنا.
٣- الصليب هو رجاء وسط الألم:
عندما تثقل الأحمال وتشتد الضيقات، ننظر إلى الصليب فنفهم أن الله لم يتركنا، بل صار أمامنا في طريق الألم والانتصار.
فالمسيح لم يعدنا بحياة بلا آلام، لكنه وعدنا أن يكون معنا في وسط الألم، وأن يحوّل الصليب إلى طريق للقيامة.
٤- الصليب هو غفران ورحمة:
فعلى الصليب قال مخلصنا الصالح:
«يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ»
(لوقا ٢٣: ٣٤).
وهكذا علّمنا المسيح أن الغفران قوة، وأن المحبة أقوى من الكراهية، وأن الإنسان يستطيع، بنعمة الله، أن يغلب الشر بالمحبة والغفران.
٥- الصليب هو فخرنا، والصليب هو حياتنا وفرحنا:
فالصليب هو طريق الخلاص، وهو الذي يقودنا إلى القيامة والحياة الأبدية.
ويقول الرسول بولس:
«فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ»
(١ كورنثوس ١: ١٨).
ولكل من يحمل الصليب في هذه الحياة: ثق أنك لست وحدك، لأن يسوع يحمله معك، ويسندك في كل ضيقة، ويقودك من الألم إلى الفرح، ومن الجلجثة إلى القيامة.
الصليب هو سلاحنا، والصليب هو رجاؤنا، والصليب هو ثباتنا في ضيقاتنا وشدائدنا.
والصليب في المسيحية علامة خلاص وفداء، ولذلك ارتبط في وجدان كثير من الناس بالحماية والبركة. ومن العادات الشعبية المنتشرة في العالم، عندما يشعر الإنسان بالخطر أو يخشى الحسد أو سوء الحظ، أن يقول: «المس الخشب».
وقد ربط البعض هذه العبارة، في تفسير شعبي، بخشبة الصليب، باعتبارها رمزًا للمسيح المصلوب الذي غلب الموت وانتصر على الشر.
ولهذا نرفع الصليب على كنائسنا، ونضعه في بيوتنا، ونرسمه على أنفسنا، لأنه علامة إيماننا بالمسيح المصلوب والقائم من الأموات، وعلامة خلاصنا وفخرنا ورجائنا.
ويقول الرسول بولس:
«وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ»
(غلاطية ٦: ١٤).
فالصليب ليس مجرد علامة نضعها، بل حياة نحياها مع المسيح، وإيمان نتمسك به، ومحبة نبذلها، واحتمال نحمله، ورجاء نتطلع به إلى القيامة والحياة الأبدية.
كل سنة وأنتم طيبين، وبصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.



























