بقلم/ دكتورة سمـــــــاح باقـــي
حين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى الحقول القانونية… كيف نحمي السر من الخوارزمية ؟ وكيف نراجع الحقيقة؟
في صباح عادي لا يختلف عن غيره كثيراً ، جلس الموظف القانوني أمام جهازه، وفتح ملفًا جديدًا، وبدأ يقرأ، واقعة تحتاج إلى بحث، ونصوص تحتاج إلى مراجعة، وأحكام تحتاج إلى تدقيق، وتفاصيل صغيرة قد تغير وجه الرأي القانوني كله، كان أمامه عمل يحتاج إلى وقت، وأهم من ذلك يحتاج إلى عقل لكي يبحث ويقارن ويحلل قبل أن يكتب كلمة واحدة، لكنه هذه المرة لم يبدأ من القانون، بل بدأ من نافذة أخرى!!!
كتب السؤال، ثم أرفق بعض المعلومات، وانتظر………
ثوانٍ قليلة، وظهرت أمامه إجابة كاملة، صياغة قانونية منضبطة، عناوين مرتبة، نصوص ومراجع، ومقترح يبدو وكأنه نتاج ساعات من البحث.
قرأ سريعاً، فأعجبته الصياغة، ربما الإعجاب النابع من عدم المعرفة أو الإلمام ، لكنه على أي حال ضغط نسخ، ثم لصق، فأصبح العمل جاهز.
عزيزي القارئ ….. ربما أنك رأيت هذا الشخص كثيراً ، وربما تكون أنت قد جربت ذلك من قبل ، جربت أن تستعين بالذكاء الاصطناعي لإنهاء مهمة ما، لكن هل فكرت في كافة الابعاد لهذا المر من قبل ؟
المشكلة أحياناَ أن الشخص المستخدم للذكاء الاصطناعي لا يتوقف ليسأل، هل كانت المعلومة صحيحة؟ هل المصدر موجود فعلًا؟ هل يجوز إدخال هذه البيانات إلى الأداة؟ وهل ما كتبه ما زال يعبر عن رأيه المهني، أم أصبح مجرد نسخة محسنة من إجابة أنتجتها آلة؟
قديماً كانت لعبة القص واللصق ( القص واللزق كما كنا ننطقها) هي لعبة لتنمية المهارات ، والمساعدة في تكوين الوجدان الفني والخيال الإبداعي.
أما اليوم ، فالقص واللصق هو القاتل الحقيقي للإبداع، فالحكاية الحقيقية للذكاء الاصطناعي ربما تبدأ من داخل المكتب القانوني
حيث لم لم تعد القضية مجرد سؤال عن التكنولوجيا، ولا عن قدرة الآلة على اختصار الوقت، وإنما عن شيء أكثر عمقًا، ماذا يحدث عندما تصبح الآلة أسرع من الإنسان في إنتاج الإجابة، بينما يظل الإنسان مسؤولًا عن نتائجها؟
الملف الذي خرج من بين يديك ربما لا يعود !!!!
عادة لا يتعامل أصحاب المهن الحساسة مثل القانونيين مع أوراق عادية، فبين يديهم قد توجد عقود، وتحقيقات، وشكاوى، وبيانات شخصية، ومكاتبات داخلية، ومعلومات عن نزاعات أو مراكز قانونية لمؤسسات وأشخاص، وكل ورقة من هذه الأوراق قد تكون جزءًا من مساحة يفترض أن تحاط بالحماية والسرية.
بينما الذكاء الاصطناعي جعل عملية مشاركة المعلومات تبدو شديدة البساطة، ينسخ الموظف فقرة، أو يرفع مستندًا، أو يضع تفاصيل واقعة، ثم يطلب من النظام أن يحللها أو يعيد صياغتها أو يبحث له عن الحل.
دون أن يدري أن سهولة إدخال المعلومة لا تعني أن إدخالها آمن أو مهني.
وربما لهذا السبب تناولت عدة دراسات حديثة مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئة العمل، ومنها مخاطر الخصوصية، ومخاطر تسرب البيانات، وأمن المعلومات، والهجمات السيبرانية، وهو ما يجعل استخدام هذه الأدوات في بيئة تحتوي على معلومات حساسة مسألة تتجاوز مجرد الراحة والسرعة.
فهل سألت نفسك قبل الإرسال عن كل معلومة تستطيع إدخالها في النظام، وتأكدت من أنك تملك أصلًا حق إدخالها؟
فقد لا يحتاج تسريب المعلومة إلى اختراق معقد، ولا إلى جهاز مسروق، ولا إلى بريد إلكتروني أُرسل بالخطأ، قد يبدأ الأمر بموظف أراد أن يوفر عشر دقائق من البحث.
وهذه واحدة من مفارقات العصر الجديد، التكنولوجيا تستطيع أن تجعل العمل أسرع، لكنها تستطيع أيضًا أن تجعل الخطأ أسرع.
المعلومة التي ترتدي بدلة قانونية
الحقيقة أن الأمن ليس الخطر الوحيد،هناك خطر آخر أكثر هدوءًا، لأنه قد يجلس أمام الموظف في صورة إجابة ممتازة، وهو المعلومة غير الدقيقة.
الذكاء الاصطناعي لا يقدم الخطأ دائمًا بصورة تبدو خاطئة، بالعكس ، قد يقدم لك نصا قانونيا شديد الإقناع، ويذكر رقم مادة، أو حكمًا قضائيًا، أو مبدأ قانونيًا، ويضع كل ذلك في صياغة تجعل القارئ يطمئن إليها قبل أن يفكر في التحقق منها.
وجدير بالذكر ان هذا ليس اجتهاد أو رأي شخصي مني فقط ، بل إن دراسة تجريبية في هذا الصدد منشورة في Journal of Empirical Legal Studies عام 2025، اختبرت أدوات متخصصة في البحث القانوني بالذكاء الاصطناعي، وأظهرت أن أدوات متقدمة ما زالت تنتج معلومات قانونية غير صحيحة أو ما يعرف بالهلوسة، وكانت معدلات الهلوسة في الأدوات التي اختبرتها الدراسة متفاوتة، ووصلت في بعض الحالات إلى نطاقات مرتفعة، وهو ما يؤكد أن وجود أداة متخصصة لا يلغي الحاجة إلى المراجعة البشرية.
الآلة تخطئ ولا تكذب …والإنسان يكذب حتى لا يعترف بالخطأ!!!
الفرق بين الخطأ العادي والخطأ الذي تنتجه آلة ذكية، أن الثاني قد يأتي في صورة لغة شديدة الإقناع.
وهكذا يصبح الموظف أمام معلومة لا تبدو محتاجة إلى الشك، بينما هي في الحقيقة تحتاج إلى أكثر درجات التحقق.
وفي العمل القانوني تحديدًا، لا يكفي أن تكون الإجابة جميلة، ولا أن تكون الصياغة احترافية، ولا أن تبدو الإحالة مقنعة.
بل يجب التحقق من وجود النص ومن صدور الحكم ، ومن اتساق المبدأ مع السياق وانطباق القاعدة على الواقعة؟
لأن خطأ صغيرًا في معلومة قانونية يقود إلى رأي خاطئ، والرأي الخاطئ قد يتحول إلى إجراء، والإجراء قد تكون له عواقب لن تتحمل الآلة مسؤوليتها عنك..
يتراجع العقل خطوة إلى الخلف…لتتعلم الآلة
في الماضي كان العمل القانوني يدور حول البحث عن القانون، القراءة المتعمقة ، المقارنة بين النصوص، العودة إلى الأحكام، استبعاد رأي ثم بناء رأي
كانت الرحلة نفسها جزءًا من صناعة الخبرة ، وجزء من البناء المهني بينما تبدأ الرحلة الآن من النهاية
اكتب السؤال، تحصل على الإجابة.
اطلب مذكرة، تحصل على المذكرة و الصياغة، وبمرور الوقت قد يصبح توفير الوقت على حساب شيء آخر لا يظهر في دفتر الحضور والانصراف، وإنما في التفكير نفسه.
يأتي هذا الكلام إنطلاقاً من أن دراسة أجرتها Microsoft Research بالتعاون مع باحثين أكاديميين، وتم نشرها ضمن مؤتمر CHI 2025، شملت 319 من العاملين في المعرفة وحللت 936 حالة استخدام فعلية للذكاء الاصطناعي في العمل، ووجدت ارتباطًا بين ارتفاع الثقة في الذكاء الاصطناعي وانخفاض الجهد المبذول في التفكير النقدي أثناء المهام المدعومة به، مع تحول جزء من النشاط العقلي نحو التحقق من إجابات النظام ودمجها.
و المشكلة لن تظهر في يوم واحد،بل على مراحل ، فالموظف الجديد الذي كان يبحث لساعات حتى يفهم المسألة، أصبح يحصل على ملخص جاهز.
والذي كان يتعلم كتابة المذكرات القانونية، أصبح يحصل على صياغة جاهزة يفقد معها ثراؤه اللغوي ،والذي كان يقرأ الأحكام ليعرف كيف يفكر القاضي، أصبح يطلب من الآلة أن تخبره بالخلاصة ليفقد قدرته التحليلية.
ومن ثم من أين سيأتي الخبير القادم إذا لم نعطه فرصة أن يتعلم الطريق؟
هل تستطيع الآلة أن تقتل الإبداع؟
الإبداع المهني لا يولد دائمًا من الإجابة، بل أحيانا يولد من السؤال، ومن البحث الطويل، ومن محاولة لم تنجح، ومن قراءة واقعة بطريقة مختلفة، ومن اكتشاف علاقة لم تكن واضحة في البداية.
ولهذا فإن الخطر ليس بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي سيقتل الإبداع بالكامل، فالأدلة البحثية حتى الآن لا تسمح بهذا التعميم، لكن الخطر يكمن في طريقة استخدامه.
حين يكون الذكاء الاصطناعي أداة توسع التفكير، يمكن أن يفتح مساحات جديدة، لكن المشكلة حين يصبح بديلًا عن التفكير.
عندما تكون معلومات المختص نابعة مما قاله له الذكاء الاصطناعي، فقد لا تكون الآلة قد أخذت منه وظيفته، لكنها ربما بدأت تأخذ منه شيئًا أكثر أهمية، وهو القدرة على صناعة الفكرة..
الأمانة المهنية التي لا يمكن تحميلها للآلة.
الموظف القانوني يفترض أن يدخل إلى مكتبه بضمير مهني يسبقه إلى كل ملف، ويعرف أن هناك معلومات لا يجوز التعامل معها باستهانة، وأن هناك رأيًا لا يجوز إصداره دون تحقق، وأن هناك توقيعًا في نهاية الصفحة يعني أن شخصًا حقيقيًا يتحمل مسؤوليته.
والآلة لا تستطيع أن تمنح الإنسان هذه الأمانة، ولا تستطيع أن تجعله أمينًا على أسرار العمل، ولا أن تمنعه من تمرير معلومة يعلم أنها غير دقيقة.
.
ولهذا فإن أخطر استخدام للذكاء الاصطناعي ليس استخدامه كثيرًا، وإنما استخدامه بلا مسؤولية مهنية.
فالآلة قد تخطئ، وهذا أمر يمكن توقعه لكن أن يعرف الإنسان أن عليه المراجعة ثم يتخلى عنها، فهذه ليست مشكلة تقنية بل مشكلة اخلاقية.
من الإنسان إلى المشرف على الآلة
ربما تكون الصورة الأكثر إثارة للتأمل هي أن الشخص الذي استخدم الذكاء الاصطناعي لتوفير الوقت قد يجد نفسه بعد سنوات يقوم بوظيفة مختلفة تمامًا، هو فقط يتحقق من تحليل أنتجته الآلة.
ولا شك أن هذا التحول قد يكون مفيدًا إذا ظل الإنسان صاحب القرار، لكنه يصبح خطرا عندما يتحول الإنسان إلى مجرد محطة تمر عبرها مخرجات النظام قبل أن تصل إلى الورقة الرسمية.
هل سيظل الموظف قادرًا على اكتشاف الخطأ عندما يصبح الذكاء الاصطناعي هو من ينتج معظم ما أمامه؟
وهل يمكن ان ياخذ الذكاء الاصطناعي مكان الموظف والقانوني تحديداً ؟:
ماذا سيبقى من الموظف إذا سلمنا للذكاء الاصطناعي كل ما كان يصنع خبرته؟
لو توقف الإنسان عن اكتشاف الخطأ كيف سيتعلم ؟.
لو عجز الإنسان عن الكتابة بدون الآلة كيف سيتطور ؟
وأخيراً ، جاء الذكاء الاصطناعي ليكون مساعداً لا ليحل محل الإنسان أعظم المخلوقات ، ولا أن يحل محل عقل الإنسان ومعجزته الألهية ،بل يحاول يوماص بعد يوم أن يحاكي العمليات العقلية الغنسانية ويتعلم ويتطور منها ، فكيف لآلة أن تتطور ونتوقف نحن البشر عن التطور ، وكيف لخوارزمية جاءت لتساعدنا تسخرنا وتخترقنا …… الذكاء الاصطناعي يحتاج لوعي كبير في التعامل معه أكبر من مجرد سؤال وإجابة
وللحديث بقية ………………………



























