بقلــم / دكتورة: سمـــاح باقـــي
في الصباح، تبدو الأشياء أكثر بساطة مما هي عليه في الحقيقة.
سيارة تعبر الطريق، عامل يفتح متجره، حافلة تبحث عن مسار أكثر انسيابًا، وشجرة تقف إلى جوار الرصيف كأنها جزء ثابت من المشهد منذ الأزل.
ثم يأتي مشروع جديد،يتغير معه كل ذلك ، في الطريق تتحرك المعدات،و يعاد تنظيم المساحات، وربما تختفي بعض التفاصيل التي اعتادها الناس لسنوات.
إذا شاهدت هذ المشهد ، ربما في اللحظة الأولى تشعر أن المشهد يبدو واضحًا
طريق يحتاج إلى تطوير.. وشجرة تقف في طريقه ، لكن المشهد الأول ليس بالضرورة القصة كلها
وهذه ربما تكون أولى قواعد التفكير الجيد الذي تعلمناها من أساتذة لنا، ما نراه في البداية يمنحنا نقطة انطلاق، لكنه لا يمنحنا بالضرورة النتيجة النهائية.
فقد نكتشف بعد قليل أن الطريق ليس مجرد أسفلت، وأن الشجرة ليست مجرد شجرة، وأن القرار الذي يبدو بسيطًا من بعيد يحمل وراءه حسابات تتعلق بالتخطيط والمياه والموارد وجودة الحياة والاقتصاد.
القاهرة قررت أن ترى اللون الأخضر بطريقة مختلفة
في 7 سبتمبر 2026، جاء اجتماع متابعة مشروع تخضير القاهرة الكبرى ليضع الأشجار والمساحات الخضراء داخل مشهد تنموي أوسع؛ حيث يتضمن المشروع تشجير محاور وطرق رئيسية، واستغلال بعض المساحات المتخللة لإنشاء حدائق، ورفع كفاءة الميادين، وإنشاء حدائق عامة جديدة، إلى جانب دمج المحاور الجديدة في منظومة التشجير والري.
كما يجري حصر الأراضي الفضاء داخل الأحياء لبحث إقامة حدائق عامة عليها.
قد يمر الخبر سريعًا أمام القارئ باعتباره مشروع تشجير آخر، وأرقام جديدة، ومساحات خضراء أكثر.
لكن خلف هذه التفاصيل سؤال يستحق التأمل، في نظرنا على الأقل.
ما معنى أن تصبح الخضرة جزءًا من التخطيط، لا مجرد إضافة إلى نهايته؟.
فعند النظر من زاوية مختلفةت قليلا ، نجد أن الشجرة لم تعد تفصيلًا تجميليًا يوضع عندما تنتهي أعمال الطريق، والحديقة لم تعد مساحة متروكة لما يتبقى من الأرض.
المسألة أصبحت أقرب إلى إعادة تصميم العلاقة بين الإنسان والمكان.
لكن المدينة لا تتوقف كي تصبح خضراء
الحقيقة التي لا يمكن لأي إنسان تجاهلها هي أن المدن تنمو، والسكان يحتاجون إلى طرق وخدمات ومرافق ومساكن وحركة أسرع ومساحات عامة أكثر كفاءة.
لذلك فإن وضع التنمية في مواجهة البيئة منذ البداية يصنع معركة زائفة.
فلا يمكن أن نقول للمدينة توقفي عن التوسع كي نحافظ على كل شيء كما هو.
كما لا يمكن أن نقول في المقابل كل ما يقف أمام المشروع يجب أن يختفي.
المسألة أكثر عمقاً من ذلك، فالمدينة الناجحة ليست التي لا تتغير، وإنما التي تعرف كيف تتغير.
ونقطة الاختبار اللحقيقية هنا هي التخطيط ، فعندما يرسم المهندس طريقًا، لا ينظر فقط إلى مساره، وإنما إلى الحركة التي سيصنعها، والمرافق التي ستخدمه، والمناطق التي سيربطها، وكيف سيستخدمه الناس.
كيف سيعيش الإنسان حول هذا الطريق؟
والأشجار هنا جزء من قلب التخطيط، لا من هامشه.
إن التعامل مع الشجرة على أنها مجرد شكل جمالي هو تفكير سطحي
ففي حين أن أحدنا يرى الشجرة عنصرًا جماليًا فقط، يراها الآخر أصلًا من الأصول التي تحتاج إلى إدارة.
فالشجرة تحتاج إلى نوع مناسب للتربة والمناخ، ومياه، وصيانة، ومساحة للنمو، وموقع لا يتعارض مع المرافق أو الحركة.
وربما لهذا السبب تضمنت خطة تخضير القاهرة معايير لاختيار الأنواع، من بينها ملاءمتها للظروف البيئية السائدة، وسرعة النمو، وقدرتها على توفير الظل، واستخدام أسلوب ري مناسب.
وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف عن الفرق بين زراعة شجرة وبناء منظومة خضراء!!
فالأولى قد تنتهي لحظة غرس الشتلة، أما الثانية فتبدأ عندها المسؤولية.
لحظة التصوير ليست لحظة النجاح
هناك مشهد مألوف في المشروعات عموماً وفي المشروعات الخضراء خصوصاً،هو مشهد الشتلة التي تدخل الأرض، واليد التي تحملها، والصورة التي تلتقط، وربما رقم كبير يعلن عن عدد الأشجار التي تمت زراعتها.
لكن الشجرة في الحقيقة لا تعرف شيئًا عن الصور، فبعد أن يغادر الجميع، تبقى وحدها أمام الصيف.
تحتاج إلى الماء، ثم تحتاج إلى الصيانة،ثم تحتاج إلى حماية، ثم تحتاج إلى سنوات حتى تصبح قادرة على تقديم ما وُعد به الناس من ظل ومساحة خضراء ومشهد حضري أفضل.
إذاً الأهم من عدد الأشجار التي تم زراعتها هو كم شجرة بقيت؟
وهو ما يجعل الانتقال من الزراعة إلى الإدارة المستدامة أمرًا مهمًا.
ففي مارس 2026، أعلنت وزارة التنمية المحلية والبيئة التوجه إلى إنشاء نظام متكامل لإدارة (الأصول الخضراء)، مع استكمال حصر وتكويد الأشجار ومتابعتها ميدانيًا، بهدف رفع كفاءة التشغيل والصيانة.
هذا التحول الهادئ في طريقة التفكير لم تعد معه الشجرة مجرد شيء زرعناه، بل أصبحت أصلًا يجب أن نعرفه ونتابعه ونديره.
وفي حين تبدو فكرة تكويد الأشجار شديدة التقنية بالنسبة إلى شيء أخضر يقف في شارع.
إلا أنها تحمل معنى إداريًا مهمًا، وهو أن تعرف أين توجد الشجرة، كما تعرف نوعها وحالتها وما تحتاج إليه تحديداً.
كل ذلك يعني أن المدينة بدأت تنظر إلى المساحات الخضراء باعتبارها جزءًا يمكن قياسه وإدارته، وليس مجرد مشهد نراه بأعيننا.
وتشير البيانات الحكومية في هذ الصدد إلى تطبيق منظومة تكويد رقمية للأشجار، تتضمن لوحات تعريفية وقاعدة بيانات إلكترونية، بهدف تحقيق المتابعة والإدارة الفعالة.
هل تتخيل أن يصبح الرقم وسيلة لحماية ما هو حي.
فإذا كان ما لايمكن قياسه لا يمكن إدارته أو التخطيط له ، فمالا نعرف حالته، يصعب أن نصونه.
والذي لا يدخل إلى منظومة الإدارة، يظل معرضًا لأن يصبح مجرد تفصيل عابر في مدينة تتغير كل يوم.
هل الشجرة مدخل للاقتصاد الأخصر ؟
ربما يبدو إدخال الاقتصاد في حكاية الأشجار مفاجئًا، إذا توقفنا لحظة، سنكتشف أن العلاقة موجودة منذ البداية.
فالاقتصاد الأخضر أكبر من فكرة أنه اقتصادًا يحب الأشجار ، بل إنه طريقة مختلفة للنظر إلى النموو كيف نستفيد من الموارد بكفاءة، ونقلل الهدر والأضرار البيئية، ونخلق قيمة اقتصادية واجتماعية يمكن استمرارها على المدى الطويل.
وفي هذه المعادلة تصبح الشجرة موردًا له قيمة، كما أن المياه التي تستخدم لريها موردًا يجب إدارته.
والأرض التي تتحول إلى حديقة أصلًا عامًا له استخدام، والعمالة التي تتولى الزراعة والصيانة جزءًا من النشاط الاقتصادي.
بل إن اختيار نوع الشجرة نفسه قد يحمل بعدًا اقتصاديًا، عندما نختار نوعًا أقل احتياجًا للمياه أو ذا قيمة إنتاجية أو أكثر ملاءمة للمناخ.
ولا تندهش ، عزيزي القارئ ، إذا علمت أن هذا ليس تصورًا نظريًا بعيدًا عن المبادرة الرئاسية (100 مليون شجرة) التي تجمع أهدافها المعلنة بين الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك تحسين جودة الهواء، وزيادة المساحات الخضراء، وزراعة أنواع ذات عائد اقتصادي من الأخشاب أو الثمار، إلى جانب توفير فرص عمل.
الشجرة ليست مجرد لون أخضر …الشجرة جزءًا من اقتصاد المكان.
على الرغم من أهمية الأشجار في الاقتصاد الأخضر ، إلا أن معيارها الأساسي ليس بعدد الأشجار ، فربما نريد المزيد من الأشجار، لكن الأشجار تحتاج إلى مياه.
وربما نريد المزيد من الحدائق، لكن الحدائق تحتاج إلى صيانة.
وربما نريد مدينة أكثر خضرة، لكن علينا أن نسأل عن تكلفة استمرار هذه الخضرة.
وهذه ليست أسئلة تهدف لعرقلة الفكرة، بقدر كونها أسئلة عما يجعل الأشجار قابلة للحياة.
ولهذا فإن استخدام مياه الصرف المعالجة في بعض مشروعات التشجير والغابات الشجرية يفتح بابًا مهمًا في التفكيرفي كيف نزيد المساحات الخضراء من دون أن نتعامل مع الموارد وكأنها بلا حدود؟
وفي هذا الصدد تشير أهداف مبادرة (100 مليون شجرة) إلى إنشاء مساحات تعتمد على مياه الصرف المعالج، مع التأكيد على اختيار أنواع قليلة الاحتياج للمياه.
وتلك بداية الاقتصاد الأخضر في ثوبه العملي، وليس شعارات عن البيئة، وإنما قرارات أفضل في استخدام الموارد.
وماذا لو تعارض الطريق مع الشجرة؟
لنعود إلى المشهد الأول من هذا المقال،حيث الطريق أمامنا ولكن الشجرة في مساره.
هنا يجب علينا أن نفهم لماذا لا يصلح أن نحكم على المشهد من النظرة الأولى.
ربما يكون الطريق ضرورة، وربما تكون الشجرة قابلة للنقل، وربما يمكن تعديل التصميم، وربما تكون الشجرة مريضة أو تمثل خطرًا، وربما يكون هناك بديل لم نره بعد.
كل احتمال من هذه الاحتمالات يغير القرار.
ولهذا فإن التفكير الإداري الناضج لا يبدأ بالحكم، بل يبدأ بالأسئلة، عما نعرفه وعما لا نعرفه وعن البدال المتاحة ، وتكلفة هذه البدائل ، وأثر ذلك بعد سنة وبعد عدة سنوات؟
وهكذا تتقدمعملية صنع قرار على الموقف الإنفعالي
ليس المطلوب أن تنتصر الشجرة على الطريق، ولا أن ينتصر الطريق على الشجرة.
المطلوب أن نعرف لماذا تم اختيار هذا الحل
من إدارة الأشجار إلى إدارة المدينة
وهنا تتسع الحكاية مرة أخرى، إذا كانت الشجرة جزءًا من الطريق، والطريق جزءًا من الحي، والحي جزءًا من المدينة، فإن إدارة الشجرة لا يمكن أن تكون منفصلة تمامًا عن إدارة المكان.
ولعل ذلك يقف وراء دمج البعد البيئي في الإدارة المحلية.
ففي مناقشات الخطة الاستثمارية للعام المالي 2026/2027، جرى طرح مشروعات تتصل بإدراج البعد البيئي في الإدارة المحلية، من بينها قواعد بيانات الأشجار وتكويدها والتنوع البيولوجي الحضري ودعم وحدات خفض البصمة الكربونية.
المشهد إذن يتغير، ولم تعد البيئة ملفًا يقف بجوار التنمية المحلية، وهذا ربما يكون أحد أهم التحولات في الإدارة الحديثة.
المواطن لا يرى الخريطة بل يرى المخطط
هناك شخص آخر يقف في المشهد، وهو المواطن.
المواطن الذي لا يرى الطريق بالطريقة التي يراه بها المهندس، ولا الشجرة بالطريقة التي تراها بها قاعدة البيانات.
هو يراها من حياته اليومية، يمر من هنا كل صباح، يجلس تحت ظلها، يعبر الطريق، ويستخدم الحديقة.
ويشعر بالتغيير قبل أن يظهر في التقارير، ولذلك أصبحت المشاركة المجتمعية أكثر من مجرد استبيان أو حملة توعية، بل مصدرًا من مصادر المعرفة.
فالمواطن لا يملك بالضرورة الإجابة الفنية، لكنه يمتلك تجربة مع المكان
والإدارة التي تجمع بين الخبرة الفنية وهذه التجربة تكون أقرب إلى قرار متوازن.
مثلث لا تنفصل أضلاعه !!!
في النهاية، ربما تكون القصة أكبر بكثير من شجرة وطريق.
بالتأكيد هناك تنمية تحتاج إلى أن تتحرك، وهناك بيئة تحتاج إلى أن تستمر، وهناك إنسان يريد أن يحصل على خدمات أفضل ويعيش في مكان أكثر جودة.
إنها ثلاثة أضلاع لمدينة واحدة.
وقوة المثلث لا تأتي من أن يصبح ضلع أطول من الآخر، وإنما من أن تظل العلاقة بينها متماسكة.
الشجرة و الطريق، والقرار الذي بدا في البداية بسيطًا، لكننا اكتشفنا أن بداية المشهد ليست نهايته.
وأن أول انطباع قد يخبرنا بما نراه، لكنه لا يخبرنا دائمًا بما يعنيه.
قد تبدو الشجرة عائقًا، ثم نكتشف أنها أصل حضري.
وقد يبدو الطريق مجرد مشروع بنية أساسية، ثم نكتشف أنه يعيد تشكيل حياة منطقة كاملة.
وقد تبدو الحديقة تكلفة إضافية، ثم نكتشف أنها جزء من جودة الحياة ومن اقتصاد أكثر كفاءة في استخدام موارده.
وقد يبدو الاقتصاد الأخضر فكرة بعيدة عن الإدارة المحلية، ثم نكتشف أنه يبدأ من سؤال شديد البساطة:كيف نستخدم ما لدينا اليوم، من دون أن ندفع ثمنه غدًا؟
ربما لا تكون المدينة الذكية هي التي تعرف كيف تبني أسرع، بل تلك التي تعرف كيف تنظر مرتين قبل أن تقرر مرة واحدة
لأن الطريق قد يتغير، والشجرة قد تكبر، والمدينة ستواصل نموها على أي حال.
لكن جودة هذا النمو ستتوقف، في النهاية، على قدرتنا على رؤية الصورة كاملة قبل أن نقرر أي جزء منها يستحق أن يبقى…..وللحديث أيضاً بقية ……….



























