بقلم القس/ بولا فؤاد رياض
كاهن كنيسة الشهيد العظيم مارجرجس بالمطرية – القاهرة.
يحتفل المصريون في الحادي عشر من سبتمبر من كل عام برأس السنة القبطية، وهو يوم يحمل في طياته دلالات تاريخية ودينية واجتماعية عميقة.
فالتقويم المصري يُعتبر من أقدم التقاويم التي عرفتها البشرية؛ وبحسب علماء المصريات، كان «تحوت» يُعدّ رب الحكمة والمعرفة. وقد اعتمد عليه المزارعون المصريون بشكل أساسي في مواسم الزراعة والحصاد منذ آلاف السنين وحتى وقتنا هذا، على أساس أن السنة الشمسية الزراعية تضم 12 شهرًا، وكل شهر يتكون من 30 يومًا، فيكون مجموع أيام السنة 360 يومًا.
وبعد ذلك، أضافوا إليها الأيام الخمسة المنسية (أيام النسيء) التي وُلِدت فيها المعبودات الخمسة: أوزيريس، وإيزيس، ونفتيس، وست، وحورس، ثم أضافوا إليها يومًا سادسًا كل أربع سنوات (وهي السنة الكبيسة)، وقدموه هدية للمعبود «تحوت» الذي علّمهم التقويم.
يُعدّ التقويم القبطي امتدادًا للتقويم المصري القديم؛ حيث اعتُبر تاريخ تولّي الإمبراطور الروماني دقلديانوس الحكم عام 284 ميلادية هو بداية للتقويم القبطي، تخليدًا للشهداء الأقباط الذين تُنُكِّل بهم بسبب تمسّكهم بعقيدتهم المسيحية ورفضهم لعبادة الأوثان.
وفي عهد محمد علي باشا، أصدر أمره عام 1829 ميلادية باتخاذ التقويم القبطي أساسًا لحسابات الحكومة، وكان العيد يُسمّى بالنيروز نسبةً إلى شهر «توت»، أول شهور السنة القبطية.
واستمر العمل بالتقويم القبطي حتى عهد الخديوي إسماعيل، الذي أصدر أمرًا باستبدال التقويم القبطي بالتقويم الإفرنجي (الميلادي) بسبب ضغوط صندوق الدين.
وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية برأس السنة القبطية بذكرى شهداء الكنيسة الأوائل؛ حيث يتم الاحتفال بطقوس خاصة، بإقامة الصلوات والتسابيح والقداسات احتفالًا بهذه المناسبة.
ويتضمن الاحتفال بذكرى النيروز تناول بعض الفواكه مثل البلح الأحمر والجوافة؛ حيث يرمز البلح الأحمر إلى دماء الشهداء الأبرار، بينما ترمز الجوافة إلى نقاء قلوب الشهداء.
لم نرَ في تاريخ الشعوب أن تتخذ من ذكرى استشهاد أبنائها تقويمًا لها إلا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية؛ فالكنيسة ارتوت بدماء شهدائها، وبهذه المناسبة العطرة لنا وقفة مع عقيدة الاستشهاد في المسيحية.
إن كان الله قد جعل اسم القديس يوليوس الأقفهصي يُسجّل ويُخلّد الكثير من شهداء مصر، فقد جعل الله أيضًا مَن يُسجّل قصص الشهداء الذين استشهدوا في كل العالم الذي كان محكومًا من قِبَل الحكم الروماني المتعصب المتعطش للدماء، وذلك منذ عهد الرسل (30–100م) واستشهاد معظمهم، من عهد نيرون وحتى دقلديانوس، الإمبراطور الروماني الذي روّع العالم كله باضطهاد المسيحيين. وكتاب السنكسار القبطي الأرثوذكسي يحتوي على سير الشهداء والقديسين، وأغلبهم من مصر.
لقد قال السيد المسيح:
«إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلَكِنْ لِأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ، لِذَلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ. اذْكُرُوا الْكَلاَمَ الَّذِي قُلْتُهُ لَكُمْ: لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ حَفِظُوا كَلاَمِي فَسَيَحْفَظُونَ كَلاَمَكُمْ. لَكِنَّهُمْ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ هذَا كُلَّهُ بِكُمْ مِنْ أَجْلِ اسْمِي.»
[يو 15: 18–21]
«وَقَالَ أَيْضًا: «فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلَكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ.»»
[يو 16: 33]
«وَقَالَ أَيْضًا: «افْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ.»»
[مت 5: 12]
لذلك أهاج الشيطان أتباعه، فقاموا على الرسل الأطهار وجلدوهـم، وأوصوهم ألّا يتكلموا باسم يسوع، ثم أطلقوهم. وأما هم فذهبوا فرحين:
«فَدَعَوْا الرُّسُلَ وَجَلَدُوهُمْ، وَأَوْصَوْهُمْ أَنْ لاَ يَتَكَلَّمُوا بِاسْمِ يَسُوعَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمْ. وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ.»
[أع 5: 40–41]
قام الشيطان يحارب ويضطهد أولاد الله المؤمنين؛ فقبض اليهود على إسطفانوس وحنقوا عليه ورجموه، فكان استشهاد أول الشهداء القديسين:
«فَلَمَّا سَمِعُوا هذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَحَكُّوا أَسْنَانَهُمْ عَلَيْهِ… وَإِذْ أَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ رَجَمُوهُ. وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ. فَكَانُوا يَرْجُمُونَ إِسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ، اقْبَلْ رُوحِي.»»
[أع 7: 54–58]
تمسّك المؤمنون بكلمة الله بالإكليل المقدسة، وحسبوا كل ما في العالم نفاية لكي يربحوا المسيح.
نرى القديسين وقد أظهروا من حبهم للسيد المسيح من الشجاعة ما كان يُثير غيظ هؤلاء المضطهدين وكراهيتهم للشهداء، وكان يصيبهم الجنون عندما يرون المعجزات التي يفعلها هؤلاء القديسون، واعتقدوا أنهم بهذه العذابات يخيفون المسيحيين ويجبرونهم على ترك إيمانهم.
«وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. وَلَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى النِّهَايَةِ فَهذَا يَخْلُصُ.»
[مت 10: 22]
يقول القديس بطرس في رسالته الأولى ليُثبّت المؤمنين:
«لأَنَّكُمْ لِهذَا دُعِيتُمْ، فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكًا لَنَا مِثَالًا لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ.»
[1بط 2: 21]
لقد فهم الشهيد قول القديس يوحنا الإنجيلي:
«بِهذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ.»
[1يو 3: 16]
من أقوال القديس أثناسيوس الرسولي عن الشهداء:
«الشهداء كانوا يقابلون ملوكًا ورؤساء جسديين، أما أنت فإنك تقابل ملك الخطية المحتال والعنيد، والشياطين ورؤساء الظلام.
أنت إن حفظت هواك من هذه الشهوات، وبحفظك منه تصير شهيدًا. الوثنيون يهللون عندما يرون أجساد الشهداء ميتة، وأما نحن فإننا نحزن على عقول هؤلاء الوثنيين الميتة.
والوثنيون ظنوا أنهم هددوا الإيمان بإماتتهم للشهداء والقديسين، أما نحن فبعيون الإيمان نراهم ينالون الأكاليل في الأبدية. الشهداء والقديسون مبررون، أما هؤلاء الأشرار فهم غير موجودين.
التمسّك الشديد بالحياة والخوف من الموت لم يحدث مع الشهداء، بل إنهم احتقروا حياتهم وتمسّكوا بالرجاء والإيمان الذي بلا رياء.»
«وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ.»
[1تي 1: 5]
إن قصص هؤلاء الشهداء والشهيدات توضح مدى التعذيب الذي كان يقع عليهم أثناء استجوابهم. لا يستطيع إنسان أن يتخيل أنه يوجد إنسان يتحمل هذه العذابات والآلام النفسية والبدنية، ولكن نؤكد أن الشهيد في هذه اللحظات يتخطى الضعف البشري ويمتلئ بقوة سماوية ثابتة، إذ تشعر منه بمدى إخلاصه وفضائله وعزمه على الموت من أجل المسيح، ولنا في مشهد شهداء مصر بليبيا الـ21 المثال الحي على ذلك.
الملذات جميلة، ولكن انتظار الإكليل أجمل، والألم الوقتي رديء، ولكن الازدراء منه يجنّب النار الأبدية.
دعونا نتأمل جزءًا صغيرًا من فضائل هؤلاء الشهداء القديسين. إنهم عظماء ونحن صغار.
لقد امتلأت الأرض من دماء الشهداء كما لو كانت بذورًا، ومن هذه البذور نبت حصاد الكنيسة.
عندما فكّر الشهيد في جمال السماء، أصبح كل شيء حوله مرارة وعذابًا لا يساوي شيئًا، وكانت إجابته للعالم: «بماذا تحاول أن تلاطفني؟ فإن ما أحبه أحلى بكثير من جميع وعودك التي تحاول أن تلاطفني بها.»
يقول القديس الأنبا باخوميوس موضحًا أن هناك نوعًا آخر من الشهادة، وهو الجهاد وصدّ الخطية.
مكتوب:
«أَمَا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ.»
[مت 26: 41]
هل تظن أن تقطيع الأعضاء والحرق وحده شهادة؟ لا، بل تعب النساك والضربات التي تأتي من الشياطين، والأمراض، واحتمال كل ذلك بشكر، فذلك هو هو الشهيد وآلامه.
ولحاجة أن يكتب معلمنا بولس الرسول:
«إِنِّي أَمُوتُ كُلَّ يَوْمٍ.»
[1كو 15: 31]
فإنه لم يكن يموت في الظاهر كل يوم، بل كان يصبر ويتحمل ما يأتي عليه. وكذلك رجال الله إذا كانوا في أمراض ويخفونها عن الناس، فإنهم يُعتبرون شهداء أيضًا.
ويقول مار أفرام السرياني:
«وَنَحْنُ نُطَوِّبُ هؤُلاَءِ الْقِدِّيسِينَ، وَنَتَشَوَّقُ إِلَى أَكَالِيلِهِمْ، وَلاَ تُشَابِهُ جِهَادَهُمْ!»
هل تظنون أن القديسين قد تكلّلوا بعذابات وأحزان كما نشاء نحن؟ ويقول القديس كبريانوس:
«وَإِنَّ دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ تُزَيِّنُ الْكَنِيسَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُجَاهِدُ مِمَّا يَسْمَحُ لَهُ الرَّبُّ بِهِ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَنَالُ الْمُكَافَأَةَ عَلَى أَعْمَالِهِ.»
«وَرَأَيْتُ عُرُوشًا فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْمًا. وَرَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ وَمِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْوَحْشِ وَلاَ لِصُورَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا السِّمَةَ عَلَى جِبَاهِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ.»
[رؤ 20: 4]
ويقول أحد القديسين:
«يا آبائي، إن الوقت المتبقي لنا قصير جدًا. دعونا نصارع قليلًا في هذا العالم ونعمل بجد، ربما نحصل على الفرح العظيم والسعادة الأبدية. انظروا إلى شهدائنا، انظروا إلى القديسين، انظروا إلى النساك والمتقشفين، انظروا كم خدموا الرب بشجاعة.»
إن في كنيستنا باقة منيرة من الشهداء، المجد لله. من أصل هؤلاء الشهداء، وأغلبهم ينتمون إلى مصر، هؤلاء وصلوا إلى بر الإيمان.
«ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً… وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِيمَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِيمَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ.»
[رؤ 21: 1–4]
يارب، بارك إكليل السنة بصلاحك.
نتمنى أن يكون 1 توت (11 سبتمبر) بداية عام جديد مملوءًا بالأمل والتفاؤل والخير لبلادنا العزيزة مصر.
بصلوات قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية.
كل عام ومصر بخير وسلام.



























