حين تلتقي الدولة بالفكر: تقاطع الرؤية بين مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي وطرح المفكر العربى علي الشرفاء للأمن القومي العربي
في لحظات التحول الكبرى لا تتشكل السياسات من فراغ ولا تنجح الأفكار ما لم تجد من يتبناها على مستوى القرار. وفي الحالة العربية الراهنة يبرز مشهد لافت يتمثل في تقاطع واضح بين ما تطرحه القيادة السياسية ممثلة في الرئيس عبد الفتاح السيسي وبين ما يقدمه المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي من رؤى استراتيجية حول مستقبل الأمن القومي العربي.
هذا التقاطع لا يعكس مجرد توافق عابر بل يشير إلى بداية تشكل ملامح رؤية عربية أكثر نضجًا تنتقل من دائرة الطرح النظري إلى محاولة بناء واقع عملي .
من المبادرة السياسية إلى التأصيل الفكري
حين دعا الرئيس السيسي إلى فكرة ” القوة العربية المشتركة ” لم تكن مجرد استجابة ظرفية لتحديات أمنية بل تعبيرًا عن إدراك مبكر لطبيعة التغيرات التي يشهدها الإقليم . فالعالم لم يعد يحتمل الكيانات المتفرقة بل يتجه نحو التكتلات القادرة على فرض معادلات جديدة.
في المقابل يأتي طرح علي الشرفاء ليمنح هذه المبادرة بعدًا أعمق حيث لا يكتفي بفكرة القوة العسكرية بل يسعى إلى وضعها داخل منظومة مؤسسية متكاملة من خلال اقتراح ” مجلس الأمن القومي العربي “.
وهنا يظهر التقاطع :
مبادرة سياسية تبحث عن آلية تنفيذ… ورؤية فكرية تقدم هذا الإطار.
لماذا أصبح التكامل ضرورة لا خيارًا ؟
المنطقة العربية اليوم تواجه واقعًا مختلفًا عن أي وقت مضى . لم تعد التهديدات تقليدية أو محدودة بل أصبحت مركبة ومتشابكة، تشمل :
صراعات إقليمية ممتدة
تدخلات دولية مباشرة وغير مباشرة
تهديدات غير تقليدية تتعلق بالأمن السيبراني والاقتصادي
في ظل هذا المشهد لم يعد ممكنًا لأي دولة أن تعتمد على قدراتها الذاتية فقط مهما بلغت قوتها. وهو ما يفسر إصرار القيادة المصرية على فكرة العمل العربي المشترك ويعزز في الوقت ذاته من وجاهة الطرح الذي يقدمه الشرفاء.
من ” قوة مشتركة ” إلى “منظومة متكاملة”
الفرق الجوهري بين الطرحين ليس في الهدف بل في زاوية المعالجة.
مبادرة الرئيس السيسي تركز على تشكيل قوة عربية مشتركة كأداة للردع والتعامل مع التهديدات.
بينما يطرح الشرفاء تصورًا أشمل يقوم على بناء منظومة أمن قومي عربي تتضمن :
التخطيط الاستراتيجي
التنسيق العسكري
إدارة الأزمات
تطوير آليات اتخاذ القرار
وبذلك يمكن النظر إلى الطرحين باعتبارهما مرحلتين في مسار واحد:
الأولى تؤسس لفكرة القوة… والثانية تبني لها الإطار المؤسسي .
إشكالية التنفيذ : بين الإرادة والبنية
رغم وضوح الرؤية في كلا الطرحين تبقى التحديات الحقيقية في التنفيذ. فالتجربة العربية على مدار عقود أثبتت أن المشكلة لم تكن في غياب الأفكار أو الاتفاقيات بل في :
ضعف آليات التنفيذ
تباين الأولويات بين الدول
غياب التنسيق المؤسسي المستدام
وهنا تبرز أهمية فكرة ” مجلس الأمن القومي العربي” التي يقدمها الشرفاء باعتبارها محاولة لسد هذه الفجوة وتحويل المبادرات السياسية إلى خطط قابلة للتطبيق.
إعادة تعريف الأمن القومي العربي
ما يجمع بين رؤية الرئيس السيسي وطرح الشرفاء هو إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي نفسه. فلم يعد الأمن يعني فقط حماية الحدود بل أصبح يشمل :
استقرار الدول
حماية الموارد
تأمين الممرات الاستراتيجية
الحفاظ على توازنات القوى في الإقليم
وهذا التحول في المفهوم هو ما يجعل من فكرة العمل العربي المشترك ضرورة وجودية وليس مجرد خيار سياسي.
لحظة تقاطع… أم بداية مسار؟
التقاطع بين الطرح السياسي والفكري يفتح الباب أمام تساؤل مهم :
هل نحن أمام لحظة عابرة من التوافق أم بداية لمسار عربي جديد ؟
الإجابة تتوقف على مدى قدرة الدول العربية على تحويل هذا التلاقي إلى خطوات عملية تبدأ من :
تفعيل الاتفاقيات القائمة
بناء آليات تنسيق حقيقية
الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي
ختام : الفرصة التي لا يجب أن تضيع
في عالم يتشكل من جديد لم يعد هناك مكان للكيانات المتفرقة. والتاريخ لا يمنح الفرص كثيرًا لكنه حين يفعل تكون كلفه ضياعها أكبر بكثير من كلفة استثمارها.
اليوم ومع هذا التقاطع بين رؤية الدولة والفكر تملك المنطقة العربية فرصة حقيقية لإعادة بناء مفهوم أمنها القومي على أسس أكثر صلابة .
السؤال لم يعد : هل نحتاج إلى ذلك ؟
بل أصبح : هل نملك الإرادة لنفعل ؟


























