بقلم : الدكتور احمد الشريف
هل أصبح الصراع بين الشعوب هو السلاح الأخطر في النظام الدولي الجديد؟ لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الطائرات والدبابات والصواريخ ولم يعد إسقاط الدولة بالضرورة يبدأ باجتياح حدودها. ففي عالم شديد التعقيد أصبحت هناك أدوات أخرى أكثر هدوءًا وأحيانًا أكثر تأثيرًا: المعلومة والشائعة والاستقطاب والأزمات الاقتصادية والحروب السيبرانية والتأثير الإعلامي وإشعال الخلافات الداخلية واستنزاف الموارد وتحويل المجتمع إلى ساحة صراع بين أبنائه. وهنا تبرز فكرة خطيرة تستحق الدراسة :
ماذا لو كان الهدف في بعض الصراعات الحديثة ليس تدمير الدولة مباشرة وإنما دفعها إلى أن تستنزف نفسها بنفسها؟ إنها استراتيجية يمكن تلخيصها مجازًا بعبارة:
«« اتركهم يتصارعون. . . وسوف يقومون بالباقي. »»
وهذه الفكرة لا تعني بالضرورة وجود وثيقة سرية واحدة تحمل هذا العنوان وإنما تشير إلى مجموعة من أدوات الحرب السياسية وحرب المعلومات وعمليات التأثير التي أصبحت معروفة ومحل دراسة في المؤسسات الاستراتيجية. بل إن تقريرًا بحثيًا تابعًا للكونغرس الأمريكي يشرح أن حرب المعلومات قد تعمل كنوع من الحرب السياسية وأنها يمكن أن تستهدف المجتمع المدني عبر نشر الارتباك والتناقضات بما يخلق حالة من الشلل في اتخاذ القرار ويصف ذلك صراحة ضمن مفهوم « فرق تسد ». قصة الثور الأبيض
تُروى قصة رمزية شهيرة عن مجموعة من الثيران كانت تعيش معًا في حماية بعضها بعضًا. وكان بينها ثور أبيض قوي ومميز. فجاء المفترس لكنه لم يستطع مواجهة القطيع كله. فبدأ بالثور الأبيض. ولأن الآخرين لم يكونوا مستهدفين في تلك اللحظة تركوا الثور الأبيض يواجه مصيره. ثم عاد المفترس في اليوم التالي ليستهدف ثورًا آخر. ثم ثالثًا. وفي كل مرة كان الباقون يقولون:
« طالما أن الخطر لم يصل إلينا فالأمر لا يعنينا »
حتى جاء اليوم الذي لم يبق فيه إلا القليل . وعندما أدركوا الحقيقة كان الأوان قد فات. ولهذا أصبحت العبارة الرمزية :
« قُتلت يوم قُتل الثور الأبيض. »
المعنى هنا ليس قصة تاريخية موثقة بقدر ما هو درس في التضامن والمصير المشترك:
حين تسمح لأحد أفراد الجماعة أن يُستهدف وحده فإنك قد لا تكون شاهدًا على سقوطه فقط بل قد تكون شاهدًا على بداية سقوط الجماعة كلها. من الثور الأبيض إلى الدول
في عالم السياسة الدولية يمكن إسقاط هذه الفكرة على الدول والشعوب. قد لا يكون الهدف دائمًا مواجهة دولة قوية بصورة مباشرة. فالدولة القوية يصعب إسقاطها من الخارج إذا كانت متماسكة من الداخل. لكن ماذا يحدث إذا أمكن:
– تعميق الانقسامات السياسية ؟ – تحويل الاختلاف الطبيعي إلى صراع دائم ؟ – ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ؟ – نشر المعلومات المضللة والشائعات ؟ – تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات استقطاب؟ – إشعال الصراع بين مكونات المجتمع؟ – استنزاف الاقتصاد والموارد؟ – دفع الدول إلى سباقات تسلح أو أزمات متتالية ؟ - تحويل القضايا الوطنية إلى صراعات داخلية ؟ – جعل الشعوب تنظر إلى بعضها باعتبارها العدو؟ هنا لا يعود المطلوب أن يهزم الخارج الدولة. يكفي أن تنشغل الدولة بنفسها. الحرب التي لا تحتاج إلى جيش
الحرب السياسية الحديثة تستطيع استخدام أدوات كثيرة دون إعلان حرب تقليدية. وقد عرّفت دراسات منشورة عبر الكونغرس الأمريكي مفهوم Political Warfare باعتباره استخدامًا متزامنًا لأدوات القوة الوطنية مثل الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية لتحقيق أهداف الدولة دون اللجوء إلى الحرب التقليدية المباشرة. أما حرب المعلومات فتستهدف في جوهرها الوعي والإدراك البشري. فبدل أن تقول للإنسان:
« افعل ما أريد »
يمكن أن تجعله يعتقد أن ما يفعله هو اختياره الشخصي. وهنا تكمن الخطورة. فقد تتحول الشائعة إلى غضب
والغضب إلى استقطاب. والاستقطاب إلى كراهية. والكراهية إلى صراع. والصراع إلى استنزاف. والاستنزاف إلى ضعف. والضعف إلى تبعية. وهكذا يمكن أن يتحول الإنسان نفسه إلى أداة في حرب لم يدرك أصلًا أنه طرف فيها. الاستنزاف بدلًا من التدمير
الدولة التي تدخل في صراع داخلي طويل تستنزف:
اقتصادها. مواردها. طاقتها البشرية. ثقة مواطنيها. قدرتها على التنمية. قدرتها على اتخاذ القرار. وقدرتها على مواجهة الأخطار الخارجية. وهنا يصبح مفهوم « التدمير الذاتي » أكثر دقة من مفهوم التدمير العسكري. فالدولة لا تُدمر بالضرورة بصاروخ. قد تُستنزف عبر سنوات من الأزمات والصراعات والانقسامات. وقد تخسر أموالًا هائلة في معالجة أزمات كان يمكن تجنبها. وقد يتحول أبناؤها إلى خصوم لبعضهم. وقد تنفق طاقتها في الصراع الداخلي بدلًا من البناء. وهنا يكون الثور الأبيض قد قُتل مرة أخرى. . . ولكن هذه المرة على مستوى الشعوب
من يملك المعلومة يملك جزءًا من المعركة
في العصر الرقمي أصبحت المعلومة موردًا استراتيجيًا. والتحدي لم يعد فقط في الوصول إلى المعلومة وإنما في:
من يصنعها ؟ ومن يوزعها ؟ ومن يحدد ما الذي يراه الناس؟ ومن يستطيع التأثير في اتجاه النقاش العام؟ وتشير الأدبيات الحديثة حول عمليات التأثير إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة رئيسية لهذه العمليات حيث يمكن استخدام الحسابات المنسقة والمحتوى المضلل والرسائل المصممة لاستهداف جماعات محددة والتأثير في مواقفها. ولذلك فإن أخطر سلاح في القرن الحادي والعشرين قد لا يكون السلاح الذي يقتل الإنسان. بل السلاح الذي يجعله يكره أخاه ويشك في وطنه ويكذب كل حقيقة ويصدق كل شائعة. الثور الأبيض ليس شخصًا. . . قد يكون دولة
قد يكون الثور الأبيض دولة. وقد يكون مؤسسة. وقد يكون فئة اجتماعية. وقد يكون شعبًا. وقد تكون قضية وطنية. وقد يكون حتى الحقيقة نفسها. وعندما يبدأ استهداف طرف معين فإن السؤال الحقيقي ليس:
« هل يعنيني ما يحدث له ؟ »
بل:
« ماذا سيحدث لنا إذا سقط ؟ »
هذه هي النقطة التي يجب أن تفهمها الشعوب. فالعالم لا يتحرك دائمًا بمنطق الصداقة والعداء المطلق وإنما بمنطق المصلحة والقوة والنفوذ. والدول الكبرى تتحرك لحماية مصالحها. وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الشعوب إلى أدوات في صراعات لا تفهم أهدافها الحقيقية. المواجهة تبدأ من الداخل
إذا كانت هناك حروب تستهدف الوعي، فإن أقوى دفاع ليس فقط امتلاك السلاح. بل امتلاك
وعي حقيقي . ووعي لا يعني أن يصدق المواطن كل ما تقوله الدولة ولا أن يرفض كل ما يأتي من الخارج. بل يعني أن يسأل:
ما المصدر؟ ما الدليل ؟ من المستفيد؟ هل هذه المعلومة حقيقة أم رأي؟ هل أُريد بها إخباري أم تحريضي ؟ هل أنا أمام اختلاف طبيعي أم محاولة لصناعة صراع ؟ وهنا يصبح المواطن جزءًا من منظومة الأمن الوطني، ليس بالسلاح، وإنما بالعقل والوعي والمسؤولية. لا تكن الثور الأبيض
إن الدرس الأهم في هذه القصة ليس الخوف. بل التضامن. ليس المطلوب أن نتهم العالم كله بالتآمر. وليس المطلوب أن نرى كل خلاف باعتباره مؤامرة. ولكن المطلوب أن نفهم طبيعة الصراعات الحديثة وأن ندرك أن تفكيك المجتمعات يبدأ غالبًا من تحويل الاختلاف إلى عداوة والنقد إلى كراهية والمنافسة إلى صراع والمعلومة إلى شائعة. وأن ندرك أن قوة أي شعب لا تكمن فقط في حجم اقتصاده أو قوته العسكرية. بل في :
تماسكه. وعي أبنائه. ثقته في الحقائق. قدرته على الحوار. احترامه للاختلاف. وحفاظه على مصالح وطنه. فإذا سقط الثور الأبيض لا ينبغي أن يقول الآخرون:
« لم يكن شأننا. »
لأن السؤال الحقيقي سيكون:
من التالي ؟ الخلاصة
قد لا توجد وثيقة واحدة مكتوب عليها: « خطة تدمير الشعوب ذاتيًا ». لكن العالم يعرف بالفعل أدوات الحرب السياسية وحرب المعلومات وعمليات التأثير واستغلال الانقسامات والتنافس في المنطقة الرمادية وهي أدوات يمكن أن تُستخدم لإضعاف الخصم دون الدخول معه في حرب شاملة. ومن هنا تصبح قصة الثور الأبيض أكثر من مجرد حكاية. إنها تحذير استراتيجي:
إذا سمحت للشعوب أن تُستدرج إلى صراعاتها الداخلية، فقد لا يحتاج خصمك إلى هزيمتك. . . لأنك ستتكفل أنت بإضعاف نفسك. ولهذا يجب أن يكون شعار المرحلة:
«لا تكن الثور الأبيض. . . ولا تترك أخاك وحيدًا في مواجهة الخطر. »
فالقوة الحقيقية للشعوب ليست في ألا تختلف وإنما في ألا تسمح لاختلافها أن يتحول إلى تدمير ذاتي.



























