في زمنٍ كثرت فيه الأصوات وتداخلت فيه المفاهيم تبقى قضية الوعي هي القضية المركزية التي تحدد مصير المجتمعات. فالوعي ليس مجرد معلومات نعرفها بل هو قدرة الإنسان على فهم الحقيقة وإدراك مقاصد رسالة الله في الحياة.
ومن هذا المنطلق يطرح المفكر العربي المستنير علي الشرفاء الحمادي رؤية تقوم على أن النهضة الحقيقية للأمة تبدأ من وعيٍ جديد بالقرآن الكريم لا باعتباره نصوصًا تُتلى فحسب بل رسالة حياة تُفهم وتُطبق .
فالقرآن الكريم الذي أنزله الله هدايةً للبشر جاء ليؤسس لمجتمع يقوم على العدل والرحمة والسلام بين الناس . وقد بلغ هذه الرسالة وبيّنها رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فكان نموذجًا حيًا لتجسيد القيم القرآنية في الواقع.
إن المتأمل في آيات القرآن يجد أن الله يخاطب الإنسان بصفته إنسانًا قبل أي انتماء آخر، فيقول تعالى:
“يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا”.
هذه الآية تؤسس لقاعدة عظيمة :
أن التنوع بين البشر ليس سببًا للصراع بل دعوة للتعارف والتكامل.
لكن المشكلة التي واجهت المجتمعات عبر التاريخ لم تكن في رسالة القرآن بل في طريقة فهمه. فعندما يغيب الوعي الحقيقي تتحول القيم إلى شعارات ويتحول الدين من رسالة هداية وسلام إلى ساحة صراع واختلاف.
ولهذا يؤكد علي الشرفاء الحمادي أن الطريق إلى الإصلاح يبدأ من تحرير العقل من الجمود والعودة إلى قراءة القرآن قراءة واعية تكشف مقاصده الكبرى التي تدعو إلى :
العدل بين الناس
الرحمة في العلاقات الإنسانية
احترام كرامة الإنسان
نشر السلام في الأرض
فالقرآن لم ينزل ليصنع أمة منغلقة على نفسها بل ليبني إنسانًا واعيًا يحمل رسالة الخير للعالم.
إن الوعي الذي يصنعه القرآن ليس وعيًا نظريًا بل وعيٌ يغير السلوك فيجعل الإنسان أكثر عدلاً وأكثر رحمة وأكثر حرصًا على عمارة الأرض وبناء السلام .
وهنا تكمن أهمية الفكر الذي يقدمه علي الشرفاء الحمادي إذ يدعو إلى إحياء الوعي القرآني الذي يعيد الإنسان إلى جوهر رسالة الإسلام:
رسالة الهداية… ورسالة الرحمة… ورسالة السلام.
وفي ختام هذه القراءة نقول :
إن بداية الإصلاح الحقيقي ليست في تغيير الشعارات بل في تغيير مستوى الوعي.
فإذا وعى الإنسان رسالة القرآن كما أرادها الله تحولت حياته من صراع إلى سلام ومن جهل إلى نور ومن فرقة إلى إنسانية تجمع البشر.
فالوعي بالقرآن… هو بداية الطريق لبناء الإنسان وصناعة السلام. إذا أردنا أن نغيّر الواقع، فعلينا أولًا أن نغيّر طريقة فهمنا له.
فالوعي ليس ترفًا فكريًا، بل هو بداية الطريق لبناء الإنسان وصناعة المستقبل.
✦ يتبع في السلسلة :
(2) لماذا نحتاج إلى تجديد فهم الخطاب الديني؟ 🌿 كلام خفيف…

























